الإفتتاحية
تصريحات ومقابلات
ثقافة وفنون
مجتمع

الثلاثاء، 24 يوليو 2018

الدورة 29 للمؤتمر القومي العربي عروبة في مواجهة التزييف


الدورة 29 للمؤتمر القومي العربي
عروبة في مواجهة التزييف
معن بشور
تنعقد الدورة 29 للمؤتمر القومي العربي يومي 27 و 28 تموز/يوليو الجاري في بيروت في تعبير عن إصرار أعضائه والقيمين عليه على عقد هذا الاجتماع السنوي لعروبيين مؤمنين بالمشروع النهضوي العربي منذ عام 1990، ودون انقطاع… رغم كل الظروف التي مرت بها الأمة العربية والتي استهدفت العروبة كهوية ثقافية ورابطة جامعة للأمّة في إطار مخطط صهيو – استعماري يسعى منذ سايكس – بيكو، بل وقبله، إلى تجزئة الأمّة وتفتيت أقطارها، وضرب كل فكرة أو رابطة تسعى إلى جمع شملها وتوحيد مكوناتها وتحقيق نهضتها.
لم تكن غاية المؤتمرعند مؤسسيه، تأسيس حزب جديد بل إيجاد إطار تحاور وتشاور بين مناضلي الأمّة ومفكريها من حزبيين وحزبيين سابقين ومستقلين ليتعاونوا على ما اتفقوا عليه وليتركوا ما اختلفوا عليه لنقاشات مستمرة…
ورغم أن الكثير مما كان منتظراً من المؤتمر لم يتمكن من تحقيقه، ورغم الزلازل التي عصفت بالأمّة وبدلت في مواقف ومواقع كثيرين بينهم أعضاء ومسؤولين في المؤتمر، ورغم أن حملات شنت على المؤتمر منذ تأسيسه ومن مواقع متناقضة وعبر اتهامات وافتراءات لا أساس لها، لكن المؤتمر بقي أميناً لمبادئه الأساسية، حريصاً على استقلاليته، متحملاً كل أشكال الحصار المالي والسياسي والإعلامي عليه، شفافاً في علاقاته، واضحاً في مواقفه، مؤمناً بتعدد الرؤى بين أعضائه، مبادراً الى كل خطوة تسهم في الدفاع عن حقوق الأمّة وقضاياها…
1- لم تغب فلسطين يوماً عن مواقف المؤتمر ومبادراته فأطلق أعضاؤه العديد من مسيرات التلاحم مع مقاومتها وانتفاضاتها ومسيرات عودتها ومواجهات شعبها مع حروب شنّت عليه، ومشاريع تصفية قضيته… ناهيك عن دور المؤتمر مع آخرين في إطلاق سفن وقوافل كسر الحصار على غزة وإطلاق المؤسسات والمنتديات العربية والدولية من أجل فلسطين، وعبر مبادرات قام بها المؤتمر من أجل تجاوز حال الانقسام الفلسطيني المدمر وعلى قاعدة المقاومة والوحدة.
2- كان الانتصار للعراق أحد أبرز مواقف المؤتمر ومبادراته منذ تأسيسه، بوجه الحصار والعدوان والاحتلال، ومن أجل احتضان مقاومته التي تخلى عنها كثيرون، أو تواطؤا عليها، وأطلق أعضاؤه  مع اخرين من مغرب الوطن إلى مشرقه حملات كسر الحظر الجوي في طائرات، والحصار الشامل على العراق عبر قوافل، ونظموا المسيرات المليونية في أقطار الوطن العربي والعالم رفضا للحرب عليه، مما وضع بعض رموزه على قوائم المطلوبين من الاحتلال وأدواته بتهمة دعم مقاومته، وكان المؤتمر القومي العربي معترضاً على غزو الكويت لكنه كان رافضاً لاستدعاء جيوش استعمارية إلى المنطقة لاحتلال الخليج وتدمير العراق.
3- وفي لبنان واكب المؤتمر، الذي تأسس عشية اتفاق الطائف، تصدي لبنان للاحتلال الصهيوني قبل التحرير عام 2000، وأبان العدوان عام 2006، وأطلق مع المؤتمرات والاتحادات الشقيقة أوسع حملات المساندة للبنان ومقاومته شعبيا وسياسيا وفنياً، ودعا المتطوعين العرب من أطباء ومهندسين لإعمار ما دمره العدوان عام 2006، ناهيك عن مبادرته الهامة عام 2015 بالدعوة إلى مؤتمر عربي عام لرفض وصم المقاومة بالإرهاب بعد قرارات بوصم حزب الله بالإرهاب، صدرت عن مؤتمرات لوزراء الداخلية والخارجية العرب… وهذا المؤتمر العربي العام الذي قيل أن نجاحه في استقطاب المئات من الشخصيات العربية، كان أحد أسباب اعتراض الحكومة الموريتانية عن إدراج بند مقررات وزراء الخارجية والداخلية العرب ذات الصلة في جدول أعمال قمة نواكشوط…
4- وفي سورية أدرك المؤتمر الذي يضم بين صفوفه معارضين وموالين، ومنذ بداية الحرب الكونية عليها، ان هناك مطالب مشروعة للحراك الشعبي السوري لكنه حذّر منذ البداية أيضا من وجود مخططات مشبوهة تسعى لاستخدام هذه المطالب لتنفيذ أجندات دموية خطيرة تسعى لتدمير الدولة السورية وتفتيت المجتمع السوري… ومعاقبة هذا البلد العربي الأبي على مواقفه الوطنية والقومية منذ استقلاله وحتى الأمس القريب .
وفي إطار هذه الرؤية بادر المؤتمر مع مؤتمرات ومراكز شقيقة إلى الدعوة إلى منتديين عربيين دوليين لمناهضة التدخل الخارجي في سوريا ودعم الحوار والإصلاح، أولهما في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2011، بعد القرارات المشينة للجامعة العربية بتعليق عضوية سوريا ومطالبة مجلس الأمن بالتدخل في سوريا وتكرار السيناريو الليبي عبر عدوان الناتو على سوريا لولا الفيتو المزدوج الروسي والصيني آنذاك. وثاني المنتديات انعقد أيضاً في بيروت في أيلول/سبتمبر 2013، رداً على الحشود الأميركية ضد سورية بذريعة استخدام الجيش السوري أسلحة كيماوية…
وقد انبثق عن منتدى 2011 ومنتدى 2013، مبادرة شعبية عربية لمناهضة التدخل الخارجي ودعم الحوار والإصلاح… وجرى لقاء من أركان المبادرة مع الرئيس السوري وأركان الدولة السورية، كما مع أركان المعارضة الوطنية في الداخل السوري قبل أن يتم اجتياح هذه المبادرة الشعبية، بمبادرة حكومية عربية مشبوهة والتصعيد الدموي المشبوه بأوامر خارجية…
وكما كان الموقف من الحرب على سوريا كان للمؤتمر موقف رافض لحرب الناتو الفتنوية المدمّرة على ليبيا ومن عدوان التحالف على اليمن… وأطلق المؤتمر مع هيئات شقيقة مبادرات للحوار والحل السياسي في اليمن ومصر لكن رياح الفتنة وسوء التقدير عند بعض المعنيين… لم يترك مجالا لهذه المبادرات…
5- في العراق تابع المؤتمر مواقفه بضرورة إزالة آثار الاحتلال ومواجهة قوى الغلو والتطرف والتوحش وإسقاط منطق المحاصصة الطائفية والمذهبية والعرقية وقيام المصالحة الوطنية الشاملة الرافضة لمنطق الإقصاء والاجتثاث والانفصال… وإطلاق المعتقلين من مقاومي الاحتلال وافرازاته…
6- أما في المغرب العربي، يعتبر المؤتمر نفسه جسراً ثقافياً ونضالياً بين المشرق والمغرب، فإنه يعتزّ أيضاً أن أعضاءه في المغرب العربي، يلعبون دوراً محورياً في التحذير من مؤامرات تهدد وحدة أقطار المغرب العربي، كما في الحشد والتعبئة لنصرة الشعب الفلسطيني ومناهضة كل أشكال التطبيع.
7- كما كان المؤتمر على امتداد دوراته التسع والعشرين منتدى فكرياً لرصد التطورات العربية بعيون المشروع الحضاري العربي بعناصره الست: الوحدة، الديمقراطية، الاستقلال الوطني والقومي، التنمية المستقلة، العدالة الاجتماعية، التجدد الحضاري… ناهيك عما تمر به الأمة من تطورات… بدءا من مؤتمر مدريد واتفاقات أوسلو ووادي عربة، ومشروع الشرق الأوسط وصولاً إلى إلى صفقة القرن… وكان لأمانته العامة رؤى مستقبلية في العديد من قضايا المنطقة والعالم، وكان له في السنوات الأخيرة بشكل خاص تقارير استشرافية تحلل الواقع ومسار تطوره.
8- كان المؤتمر مهتماً بالشباب منذ تأسيسه، وأشرف سنوياً، وما يزال، على مخيمات للشباب القومي العربي التي انعقدت في معظم الأقطار العربية، وخرّجت من رحمها تجربة ندوات تواصل فكرية شبابية تضم المئات من شباب الأمّة تنعقد كل عام منذ عام 2010.
9- لعب المؤتمر دوراً هاماً في التقريب بين تيارات الأمّة، لاسيّما التيارين القومي والإسلامي وأطلق مبادرة تأسيس المؤتمر القومي – الإسلامي عام 1994، الذي صمد رغم السنوات العجاف التي مرّت بها الأمّة، ورغم الصراعات الدموية التي شهدتها أكثر من ساحة عربية.
قد تجيب هذه المعلومات عن بعض التساؤلات التي يطرحها حريصون عما قام به المؤتمر، وعن الجدوى من وجوده… لكنها تجيب أيضاً على سؤال رئيسي وهو لماذا تعرّض المؤتمر ولا يزال إلى هذا الكم من الحصار والهجوم، وللغرابة من أطراف متناقضة ولأسباب متناقضة…
صدق المثل… أمش عدل يحتار خصمك فيك…
وإذا كان للمؤتمر القومي العربي في دورته التاسعة والعشرين من مهمة، فهي في أن يسترد للعروبة مضمونها التحرري الإنساني الديمقراطي التقدمي الحقيقي من الذين يحاولون تشويه صورة العروبة، وتزييف مضامينها، واستخدامها أداة للتحريض بين العرب، وبينهم وبين دول الجوار، كما بينهم وبين الأقوام المتساكنة.

Developed By Hassan Dbouk