الإفتتاحية
تصريحات ومقابلات
ثقافة وفنون
مجتمع

الاثنين، 18 يونيو 2018

«حيث رقص اللهب» للروائية والشاعرة الفلسطينية ليلى حسن... صفعة للمجتمع بالحبّ


«حيث رقص اللهب» للروائية والشاعرة الفلسطينية ليلى حسن... صفعة للمجتمع بالحبّ
لم أُفاجَأ كثيراً، بقدر ما استحوذني السياق السردي البديع، الذي يكاد أن ينقل القارئ من حالة قراءة رواية، إلى حالة المُشاهد لعرض فيلم سينمائيّ. هذه طاقة سردية نادرة، كونها متواصلة في كافة تفاصيل العمل الروائي بشكل انسيابي ينتفي فيه الافتعال والانفعال.
ما يُلفت بشكل جليّ وواضح، هذا التشذيب اللغوي المُتقن الخالي من الحشو والتكرار والسردية المُملّة، في رواية «حيث رقص اللهب» للروائية والشاعرة الفلسطينية الغزّاوية ليلى حسن، حتى كاد أن يكون أدباً وجيزاً ينبعث بين السطور كحالة تجديدية تجاوزية.
الإبهار في الرواية يتأتّى من كونها تتصدّى أو تعالج مسائل وقضايا اجتماعية مُعاشة ومكرّرة، ناتجة عن مفاهيم وتقاليد راسخة ومتجذّرة في السلوك الاجتماعي القيمي والأخلاقي، قاصرة دائماً عن ملامسة النبض الإنساني، وقادرة بآلياتها الطقوسية ترويض المشاعر والأحاسيس الأنثوية، بخاصة صيانة مسألة الشرف ذات الطابع الذكوري المريض بماضوية نهشت كل إمكانيات التطوّر والتقدّم في مجتمعاتنا غير القادرة على تجاوز المقدّس، الذي أحال العقل إلى استثناء راكد في مدار السائد المستكين في خصائصه المتوارثة كنمط ثابت غير قابل لتبديل سلوكه القيمي الذي بات يشكّل عائقاً حقيقياً للمدى الحيوي الإنساني وقطع الطريق على تجلياته وإبداعاته، بمنظومة محكمة الإغلاق، وبآليات قادرة على طمس كلّ ما هو متحرّك لصالح كلّ ما هو ثابت ومستقرّ.
الإبهار هذا ناجم عن قدرة الكاتبة الكبيرة، على سرد ماضوية بصيغةٍ مستقبلية. الحاضر في سياقها السردي يستهدف المستقبل، يستهدف التحريض على النهوض وركل الماضي بما يمثّله من حالة موت حضارية غير قادرة إطلاقاً، على الاندماج بمسار التطوّر والتقدّم الإنسانيين، لبقائها في دوائرها المغلقة على التخلّف والانحطاط التي تتّسم بها السلوكيات بمدلولاتها الاجتماعية القيمية، الخالية من المعرفة والإدراك لدور المرأة في بناء المجتمع وتأهيله ليرتقي إلى مصاف القيم الانسانية الحقيقية.
إن نظرة مجتمعاتنا الذكورية في علاقاتها مع المرأة، وإسقاط قيمها القبلية والعشائرية الماضوية، لم تلحظ إطلاقاً المسار الزمنيّ التطوّري، ولم تتقبّل نشوء قيم وعادات ومُثل عليا جديدة تعبّر عن الحيوية الإنسانية للمرأة ودورها الحيوي في المجتمع كعضو أساس وفاعل في الحياة، ولم يفطن هذا العقل الذكوري أنّ المرأة وسيلة الله في الخلق، وما يضفي ذلك عليها من ومضات ألوهية خلّاقة ومبدعة. إنما استمرّ باعتبارها عورة تهدّد قيمه المتوارثة والبالية، وحصر مسألة الشرف بسلوكها، لقصوره عن اللحاق بشرف الإنجازات العلمية والفكرية التي سهّلت حياة الإنسان وزوّدته بالمعرفة وسبرت أمامه مداركها. هذا المجتمع الذكوري الذي أشاح بنظره عن كافة التحوّلات التي طرأت على الإنسانية، أكانت في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع.
إن قراءة الرواية بأحداثها فقط، من دون استنتاج مقاصد الكاتبة وغايتها، قد يصوّر للقارئ العاديّ البليد أنها فوتوغراف مألوف لأحداث تدور في مكان وزمان محدّدَين، قد تتكرّر في أي زمان ومكان. بينما هي في الحقيقة تندرج في سياق نقديّ حادّ للسلوكيات المجتمعية بهدف التغيير وردم الهوّة بين الماضي السحيق، والمستقبل الذي يُفترض أن يكون مشرقاً.
قد تكون الأحداث التي طرحتها الكاتبة في روايتها، أحداثاً واقعية أو قريبة من الواقع الذي تعيشة المرأة في بيئة، هي بيئة الكاتبة عينها، وقد تكون لامست من خلال شخصياتها في الرواية حقائق كثيرة بمجملها فضّ ومؤلم، أكانت شخصية حبيبها «شادي» أم شقيقها «خليل»، أو والدها أو زوجها «عماد» وحماتها وصديقتها «أمّ سليمان» وجارتها «وداد» وزوجها، أم صديقاتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. كل هذه العناصر التي تشكّلت منها الرواية، كانت ذات دلالات ثلاث.
الدلالة الأولى: المفاهيم الذكورية المفرطة في التحكّم بالمرأة وتقرير مصيرها، من دون النظر إليها كإنسانٍ ذي مشاعر وعواطف وأحلام. لا بل تشييء المرأة.
الدلالة الثانية: إخضاع المرأة بتعنيفها جسدياً، وبتعنيفها معنوياً بشرفها وسمعتها، لضمان خضوعها، بنزع أيّ قدرة منها على المقاومة أو الرفض.
الدلالة الثالثة: التضحية والانتقام في آن، إحراق «وداد» نفسَها وزوجَها و«عماد»، أي الانتفاض على الظلم وعدم المقدرة على البقاء تحت سلطانه الظالم. إنها مسألة الصراع الوجودي بتجلّياته كلّها.
قبل الخلاصات، لا بدّ من الملاحظة أنّ رواية «حيث رقص اللهب»، تضعنا أمام كاتبة تمتلك معرفة قضايا مجتمعها، وتمتلك القدرة على التأثير فيها لامتلاكها أيضاً فنّ السرد الروائيّ التعبيريّ ـ التغييريّ السلس والمُستهدِف في آن.
لم تكتفِ ليلى حسن بكتابة وعرض المشكلات الاجتماعية التي تعاني منها المرأة، كانتحار صديقتها بسبب رفض أهلها تخصّصها كطبيبة، أو أن تهرّب صديقتها الافتراضية إلى دبي هرباً من ظلم زوجها واستباحته جسدها، على أن تلتقي بحبيب هناك تركها لرفض أهلها الارتباط بمطلّقة، أو حماتها المنغمسة في الدفاع عن المفاهيم الذكورية انتصاراً لابنها الظالم، بل أن الكاتبة طرحت الحلول والمخارج لتخبّط هذا المجتمع وتذبذبه بمفاهيم رثّة ومنقرضة، فقد ربطت النزاع مع الحياة في بدايات روايتها، «شادي» الذي يمثّل الحبّ، الحبّ هو الوحيد القادر على رفع البشر إلى مرتبة الإنسانية، هو القادر على إعطاء الحياة بُعدها الحقيقي، هو القادر على الانتصار على كلّ التقاليد والعادات والمفاهيم البالية.
ليلى حسن صفعت مجتمع روايتها بالحبّ، أظهرت أن لا شيء باقياً سوى الحبّ. كل هذه التقاليد رمت بها إلى ألسنة اللهب لتحترق وتضمحل على أن ينبت على رمادها الحبّ المنتظر على الرصيف المقابل. هذا الحبّ الذي لم تقتله كلّ تلك العذابات والمعاناة. هذا الحبّ الذي تجوهر بلهب الكاتبة الجميلة ولم يحترق. بل انبعث كطائر الفينيق، أسطورة الإرادة في الإقبال على الحياة وإعلاء مفاهيمها وقِيَمها ومُثلها العليا.
ناقد وشاعر لبنانيّ

Developed By Hassan Dbouk