الإفتتاحية
تصريحات ومقابلات
ثقافة وفنون
مجتمع

الثلاثاء، 26 يونيو 2018

هموم المرأة الفلسطينية في أعمال فائز الحسني


هموم المرأة الفلسطينية في أعمال فائز الحسني
في أعمال فائز الحسني الفنّية، تتربّع المرأة كي تصير المفردة المكرّرة، الرامزة إلى قضايا الوطن الجريح والمواطن التوّاق إلى الأمن والاستقرار. وبذلك تبدو وكأنها البطلة التي يُحَمّلها رسائله المتنوعة إلى المشاهد، كما يحمّلها ملامح من التراث الفلسطيني العريق. فهو يهتم بتفاصيل الزيّ، والحليّ، كما يحيطها بما يذكّرنا ببعض مظاهر المعمار التراثي الفلسطيني. علاوة على وضعياتها التراجيدية المجسّدة للصراع من أجل الكرامة والحرّية والأمن.
إنه الهمّ الفلسطيني الذي اشتعل ولم ينته بعد، بل يزداد حرقة واضطراماً وتوغّلاً في الوجدان الفلسطيني.
أمام هذا الوضع، صار التشكيليّون الفلسطينيون بمختلف أجيالهم مدفوعين إلى إبراز معاناة هذا الشعب الأعزل الذي يبذل من أرواحه مضحّياً من أجل حقّه في الوجود الكريم.
المرأة في لوحات الفنان التشكيليّ فائز الحسني تجسّد كثيراً من أوضاع الشعب الفلسطينيّ بطموحاته وبحرمانه ومعاناته تحت سياط الاحتلال. فالمرأة بوضعيتها الدالّة على التوتر واللاأمن تأتي مقترنة بما يدفعها إما إلى التأمّل، أو الاحتضان أو الشرود، أو النظر بعيداً، أو الطأطأة لرأسها ذليلة منكسرة تفكّر في الحال والمآل. وقد تأتي وفي يديها طبق فاكهة لترمز بذلك إلى هدايا الأبطال، أو إلى الحرمان من الاستفادة من غلال الأرض.
كما تأتي في علاقة بالطير، تتداخل به عبر خطوط وألوان ليشكّلا تراكبية موحية إلى الكثير من المعاني والقضايا الوطني وفي مقدّمتها الطموح إلى الحرّية واستعادة العزّة والحياة الكريمة.
وتأتي في بعض اللوحات مقترنة بالرجل كزوج يحمل همّها وتحمل همّه، مُظهرَين ما يضجّ في وجدانَيْهما من أحزان. فعلى ملامحهما علامات الاغتراب وغموض المصائر، وملمح التيه والشرود.
كما تأتي المرأة أحياناً متوسّطةً جموعاً من الناس من مختلف الأعمار، وكأنها القائدة والمركز المستقطب والحاضن للمحيطين بها.
في بعض أعمال فائز الحسني نجد المرأة منطلقة بحزم تنظر نحو المجهول أو المعلوم في الأفق، وعلى خلفية اللوحة نجد معمارات ومآثر تاريخية منقوشة في ذاكرة المسلمين وفي مقدّمتها قبة الصخرة.
كما تأتي في علاقة حميمية مع الصغار ممثلة بذلك الملجأ للأبرياء من الأطفال بمختلف أعمارهم.
تلك بعض الوضعيات المجسّدة لإبداعية وتصوّر المبدع فائز الحسني إزاء المرأة التي نعتبرها بوجهٍ فلسطين ذاتها، وبوجهٍ آخر المرأة الفلسطينية بأوجاعها المتلاحقة، وبمشاركتها في التضحية والتفكير إزاء مصائب الوطن في ظلّ الاحتلال البغيض.
إن فائز الحسني مبدع متميّز، ويبدو تميّزه في انتهاجه أسلوباً خاصّاً تبدو فرادته في الاحتشاد والتداخلات الخطّية واللونية المفضية إلى أعمال فنّية مفعمة بالأشكال الهندسية الدالّة، كما يبدو تميّزه في طريقة تأثيث لوحاته بالأشكال المتنوّعة المنصبّة على ثيمة اللوحة وموضوعها، علاوة على المفردات المتكرّرة بمظهريات متنوّعة تحيل على خصوبة خياله وطول خبرته وتجربته الإبداعية.
وقد سبق أن أشرنا في مقال عامّ عن أعماله إلى كونه ـ في شتى أعماله الفنية المختلفة ـ يعتمد أشكالاً هندسية من أجل إبراز تميّز الملمح الثقافيّ التراثيّ الفلسطينيّ، وذلك عبر شكل المعمار، وتلوينات الأزياء وأشكالها. لوحات بقدر ما تحمله وتعكسه من جمال بقدر ما تحمل من إشارات عميقة للوجدان الفلسطيني بما يحويه من أحزان وآمال في الحرّية والسلم وسائر الحقوق الإنسانية.
إنها لوحات لا تخلو من جمالية الإيقاع والاتّزان في تركيباتها المتشابهة كثيراً، تركيبات نعتبرها نافذة منعشة للمشاعر، تجعلك تستحضر حضارة عريقة وشعباً أصيلاً يستحقّ الحياة والكرامة.
أعمال التشكيليّ فائز الحسني تتعانق مع أعمال الكثيرين من الفنانين الفلسطينيين المرتبطين بالأرض والتراث وجذور الثقافة الفلسطينية العريقة، ومن هؤلاء فتحي غبن، علي الكفري، مسلم البدارين، لطيفة يوسف، حنان الأغا، عبد الهادي شلا، وكامل المغني وغيرهم. إلا أن الطاغي والمهيمن على أعمال فائز الحسني يتمثّل بالمرأة، متّخذاً إياها رمزاً للتفكير في التحرّر الوطني، وأيقونة مفعمة بمختلف الدلالات الممثلة قضايا هذا الشعب بمواقفه، بثورته، وبذاكرته الحالمة والحاملة لإرث من المستحيل محوه وإقباره مهما حاول العدوّ ذلك.
ولقد أفضى الصراع الفلسطيني ـ «الإسرائيلي» إلى التأثير سلباً على أحوال المرأة وحياتها اليومية، حياة التشريد واللجوء والتعذيب النفسي والبدني وفقدان الأبناء في مختلف أعمارهم.
المبدع يستلهم أفكاره وتأملاته من وجه المرأة ووضعيتها في أعماله، فهي القادرة ـ كمفردة تشكيلية ـ أن تحمل مختلف التعابير المشحونة بمختلف المشاعر المتدفّقة لتجعلك تحلّق في عوالم مفعمة بالحسرة والبهجة المسيّجة بالألم، فهي تفتح أمامنا فسحة للسفر لنتجوّل بأبصارنا عبر المتخيل المنسوج بآثار رسخت في الذاكرة الفلسطينية.
وسواء عبّر المبدع عنها كرمز إلى فلسطين، أو كمجسّدة لأوضاع النساء الفلسطينيات، فإنه في الأخير تمكّن من التعبير العميق عمّا يريده وبأسلوب نعتبره بصمته الإبداعية الخاصة. لوحاته ناطقة بأعماق المرأة باعتبارها الأمّ والأرض، باعتبارها الجذع أصل الغصون والثمار فهي الشهيدة وأمّ الشهداء وهي المحتضنة أبناءها الصغار، مشرّدة متنقّلة، مشرّدة محرومة لكنّها متشبّثة بأرضهما تقاوم من أجل حقّها وحقّ الشعب الفلسطيني الذي لن تزيده الجرّافات والدبابات «الإسرائيلية» سوى المقاومة حتى النصر. ونعتقد أنّ فائز الحسني عبّر بها عبر التشكيل لترمز إلى أمور تعجز العبارات عن احتوائها.

Developed By Hassan Dbouk