الإفتتاحية
تصريحات ومقابلات
ثقافة وفنون
مجتمع

الأربعاء، 30 مايو 2018

الانسحاب من سورية «ورقة» للسياسة


الانسحاب من سورية «ورقة» للسياسة
روزانا رمّال
أعلن الرئيس السوري بشار الأسد بزيارته الأخيرة لروسيا ولقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انطلاق مرحلة جديدة في سورية تتمثل بانطلاق العملية السياسية، بعد تحقيق انتصارات كانت تحتاجها الدولة السورية التي يمثلها الرئيس الاسد من أجل التخاطب مع المجتمع الدولي من منظار مغاير.
الانتصارات وحدها بالنسبة للدولة السورية تكفلت بضمان وحفظ أكثر الهواجس المحيطة بالحيثية المؤيدة للحكم بعد الأزمة، لكن انطلاق العملية السياسية التي تبدو على شكل مفاوضات تجمع الأطراف التي تقاتلت في سورية، بحيث يمكن تأسيس عبر هذه الطاولة أرضية حل شامل في المنطقة ينسحب على باقي الملفات في العراق واليمن وهي ليست المقصودة. فالعملية السياسية في سورية تعني بمعناها الأهم «الدستور السوري الجديد» فدونه لن تقوم قائمة المرحلة المقبلة ولن يتم الاتفاق منهجياً على توزيع الأدوار والنفوذ الجديد بباقي الملفات العالقة. فأي سورية هي تلك التي يريدها السوريين؟ وأي سورية هي التي ستتصدر المشهد السياسي الجديد؟ وأي نوع من الحركة السياسية والتمثيل السياسي سيحكم اللاعبين الأصليين على أرض بلادهم هذه المرة بدون أيادي وجهات خارجية عابثة او محركة لمعارضة من الخارج أو قوات حليفة للدولة من الداخل؟
أكثر ما لفت في الأيام الماضية في زيارة الرئيس السوري بشار الاسد الى سوتشي هو تبني هذه القمة لكلام الرئيس فلاديمير بوتين الذي أكد فيه أن الانسحابات العسكرية ستتوالى عن الأرض السورية قائلاً: «إننا ننطلق من أن الانتصارات الملموسة ونجاح الجيش السوري في محاربة الإرهاب وانطلاق المرحلة النشطة من العملية السياسية سيليها بدء انسحاب القوات المسلحة الأجنبية من أراضي الجمهورية العربية السورية».
القوات الأجنبية التي كان يقصدها بوتين تطلّبت توضيحات وتفسيرات أتت هذه المرة بمعناها المباشر خلافاً لأكثر من تصريح لمسؤول روسي فهم بوجهة قصد منها وجهة أخرى ليتم التوضيح بعكسها. واليوم أتى شرح المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون التسوية السورية، ألكسندر لافرينتييف ليؤكد أن موسكو توجّه كلامها الى الخصوم برسالة مباشرة حول تطوّر جديد يستدعي تقديم تنازلات مقابلة أي أن الجميع امام فرصة واضحة. وبهذا الإطار قال لافرينتييف، تعليقاً على لقاء الرئيس الروسي ونظيره السوري، بشار الأسد، الخميس في سوتشي: «إن هذا التصريح «أي انسحاب القوات الاجنبية» يخصّ كل المجموعات العسكرية الأجنبية، التي توجد على أراضي سورية، بمن فيهم الأميركيون والأتراك وحزب الله والإيرانيون». وتابع المسؤول الروسي «هذه المسألة معقدة للغاية، لأنّه يجب تنفيذ هذه الإجراءات جماعياً، وينبغي أن تبدأ هذه العملية بالتوازي مع سير إحلال الاستقرار، لأن الجانب العسكري يقترب من نهايته، والمواجهة تشهد حالياً مرحلة نهائية».
العملية المعقدة التي يتحدث عنها لافيرنتييف والتي تستهدف انسحاب الحلفاء عن الارض السورية هي في الوقت نفسه إعلان عن تنسيق كامل معهم بناء على أرضية إنجازات تتكفل بالتوصل الى هذا النوع من القرارات التي تعني إقفال الجزء الأخير من الأزمة على أسس سيادية بالقدر المأمول بسورية، لكنه بالواقع نقل للعملية السياسية أو حصرها بين اللاعبين الدوليين أي بين الأميركيين والروس لحصر المشهد أكثر فاستثناء دمشق لروسيا من هذا الانسحاب وحصره بإيران وتركيا وحزب الله والولايات المتحدة والمجموعات المعنية تسحب جزءاً من الشروط التركية العالية السقف التي كانت قد رفعت شرط مغادرة كامل المجموعات المسلحة الأراضي السورية قبل سنة تقريباً، وكان مقصوداً فيها حزب الله بشكل خاص وإيران ليأتي الموقف الإيراني المدعوم من سورية حينها بأنه وجود مبني على موافقة سورية رسمية. وبالنسبة لحزب الله اعلن امين عام الحزب في الفترة ذاتها شروع قواته الموجودة في العراق الى الانسحاب بعد انتهاء العمليات هناك. وأن هذا الأمر سينسحب على سورية عندما تنتهي المهمة. وبالتالي فإن إيجابية الأطراف أحرجت تركيا أكثر وحدّدت السجال في اللاعبين الكبار واشنطن وموسكو.
أما الأميركيون الذين حاولوا التمسك بالبقاء في سورية، فهم على موعد مع ضغط أكبر بعد أن تبدأ الاستراتيجية الروسية الجديدة التي ستتكفّل بمحاربة هذا الوجود بطرق غير مباشرة إذا أصرّت واشنطن على الاستمرار بالتلويح بالبقاء في سورية على أساس أنها لا تريد التطبيع مع فكرة الوجود الروسي الطويل الأمد، وإذا كان لهذا الخيار من أسس للبقاء فهي تعود لمشكلتين أساسيتين.
أولاً أمن «اسرائيل»، وثانياً آبار النفط الموجودة في الجزء الذي توجد فيه المعسكرات الأميركية شمال البلاد. وهنا تكون كل من روسيا وسورية قد قدّمتا رسمياً خطة جديدة للتعاطي مع الأميركيين وحلفائهم بشكل يحفظ إنجازات الحلفاء من جهة، لكنه أيضاً يحفظ لروسيا الاحتفاظ بالإنجاز لجهة كسر المشروع الأميركي من دون التراجع، بالرغم من كل الضغوط. وبما أن الرئيس السوري وافق على البقاء، فإن هذا يبقي بالعين الأميركية الاحتمالات كلها مفتوحة.
عوامل أساسية في المنطقة قد تأخذ جدياً نحو تراجع أميركي إسرائيلي عن التصعيد الذي شهدته الأراضي السورية من تعديات، بينها نقل السفارة الأميركية الى القدس الذي تمحور جزء كبير من حرب المنطقة على أساسه بين تمويه وتشويه لتحقيقه. وصار اليوم جزءاً من تعهّد أميركي للحفاظ على التموضع الإسرائيلي بعد تقدّم المشروع الإيراني بالجوار، اضافة الى ترضية «اسرائيل» بخروج أميركي ملتبس من الاتفاق النووي مع إيران مع البقاء عليه اوروبياً ما يعني توزيع الإنجازات والتراجعات بين المحورين على الحلفاء يمكن على أساسها التوصل الى أصول حقيقية للتسويات.

Developed By Hassan Dbouk