الإفتتاحية
تصريحات ومقابلات
ثقافة وفنون
مجتمع

الأحد، 18 فبراير 2018

الرئيس الشهيد رفيق الحريري حين كان يفتح صندوق مشاعره القومية




الرئيس الشهيد رفيق الحريري
حين كان يفتح صندوق مشاعره القومية
معن بشور*
طيلة السنوات السبع (1996 – 2003) التي اتيح لي ان التقي فيها الرئيس الشهيد رفيق الحريري مرّة كل شهر على الاقل، كنت ابحث في كلماته، في انفعالاته، في ردود افعاله، لارى ماذا بقي من عبق بساتين الليمون في صيدا، وهو شقيق لبرتقال يافا، في التكوين النفسي لرجل انفتحت امامه الدنيا بمالها وجاهها وسلطانها، بل ماذا بقي من الحلم القومي العربي في وجدان من تعلّم في شوارع بيروت الوطنية شموخ الانتماء، ومن درس في حلقات حركة القوميين العرب الف باء العروبة والوحدة والتحرر والثأر لفلسطين وخصوصاً بعد ان تحول الى واحد من اغنى رجال العالم واكثرهم شهرة.
واعترف ان مهمتي لم تكن سهلة، فلقد علّمت السنوات رفيق الحريري ان يكون صبوراً، كتوماً، حذراً، مراعياً للظروف والاوضاع التي يمر بها، مدركاً لحساسيات واحقاد وحزازات تبقى في النفوس " مهما نبت العشب على دمن الثرى".
وكنت الاحظ انه يعيش مفارقة حملها طيلة توليه موقع رئاسة الحكومة وهي انه قوي فيما العرب ضعفاء، وانه نجم صاعد فيما حال الامة الى انحدار، يسود الارتباك احيانا مواقفه، واحيانا تهتز لديه الرؤى، وهو يسأل كيف يستخدم امكاناته الذاتية لتمكين امته دون ان يخسر قوته قبل ان ينفع امته.
ربما وجد الاجابة على هذا السؤال، اولا، في توفير عشرات الالاف من المنح الجامعية لشباب لبنان والعرب في معادلة ترضي النفس ولا تستفز احداً، او على الاقل هكذا كان يظن ابو بهاء...
ولكن بعد توليه رئاسة وزراء لبنان، باتت الاجابة على هذا السؤال الصعب اكثر صعوبة، فهو هنا اصبح في قلب السياسة حيث كان عليه ان يحسم خياراته بوضوح، فتصرف ازاء العديد من القضايا بحذر بالغ، وربما بتقية استثنائية في عالم عاصف ومتغير، بل كان يتصرف دوماً بتكتم شديد وفي عينيه اشارات "ان ما في القلب يبقى في القلب" خاصة وانه يدرك ان لا مكان في عالم اليوم، لا سيّما بعد التسعينات، لمسؤول في السلطة يفصح عن كامل مشاعر ايمانه ويجاهر بعروبته في زمن الحروب الشرسة على كل ما هو عربي ومسلم ...
ولقد تسنى لي ان الاحظ لمرات ثلاث، حقيقة مشاعر رفيق الحريري وقد افلتت من عقال الحسابات والموازنات والمصالح...
كانت المرة الاولى في منزله، فقد كنا ثلاثة نتناول العشاء الى مائدته الرئيس فؤاد السنيورة، والوزير انذاك بشارة مرهج وانا... وكانت شاشة التلفاز، الرفيقة الدائمة لجلسات ابي بهاء، تنقل صورة حوار مع الفنانة صابرين بطلة مسلسل "ام كلثوم" الرمضاني يجريه الاستاذ زاهي وهبي في برنامجه المميّز "خليك بالبيت ". وجدنا أنفسنا، ونحن نعلّق على المسلسل الشهير، نتذكر مشهد جنازة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر التي ظهرت فيه، كما تذكرنا اكثر من مشهد يجمع ام كلثوم مع الرئيس الاكثر شعبية في حياة العرب، واذ بالرئيس الحريري يمسك بسماعة الهاتف ويقول: "اطلبوا لي زاهي وهبي"، وتتجه انظارنا الى الشاشة لنجد وهبي يقول مرتبكا من وقع المفاجأة: "دولة الرئيس على الخط"، ويبدأ الحريري بمداخلة يهنىء فيها صابرين على نجاحها الباهر في المسلسل، ويشكرها لانها اعادت تذكير الامة بايام مجدها القومي، وبوقفات جمال عبد الناصر، وبلحظات المد القومي...
فجأة انفتح صندوق مشاعر ابي بهاء القومية، وتحدث كما كان يفعل ايام كان طالباً في الجامعة العربية يقود التظاهرات، ويلعلع صوته في المجادلات، ويحسب الجميع لمنطقه القومي ولقوته الجسمانية الف حساب...
لقد فاجأتنا كلمات رئيس وزراء لبنان تتدفق على شاشات التلفزة، ولم نسمعها منه حتى في الجلسات الخاصة، وبعد ان اقفل الخط تطلع نحوي ضاحكا: لقد تورطنا أليس كذلك... ان هذا الكلام سيغضب الكثير من اصدقائنا في المنطقة والعالم.
وبكلمات تغلب عليها السذاجة بنظر من يغرقون انفسهم، ويغرقوننا معهم، بتحليلات موازين القوى والمتغيرات الدولية وغيرها، قلت للرئيس الشهيد: ولكنك بهذه الكلمات ترضي اهلك وشعبك وامتك... بل ترضي ضميرك، وترضي بيروت التي وقفت عن بكرة ابيها ترفض التجني عليك، وترضي صيدا التي كل حبّة تراب فيها "بتتكلم عربي".
القصة الثانية كانت حين استضاف المنتدى القومي العربي الدكتور عزيز صدقي رئيس وزراء مصر السابق، ابو الصناعة المصرية، رئيس الجبهة الوطنية للاصلاح والتغيير المعارضة في الوقت الحاضر، والتقينا صدقي وانا بالرئيس الحريري، واخذنا الحديث الى الولايات المتحدة والسياسة الامريكية والنفوذ الصهيوني الفاعل فيها، واهمية تكوين لوبي عربي في امريكا الشمالية.
هنا فاجأني ايضاً الرئيس الحريري بسيل من المعلومات والتفاصيل عما يفعله داخل الولايات المتحدة من بناء علاقات بشخصيات في الكونغرس والادارة والاعلام وكيف يسعى معهم الى تشكيل قوة ضغط تناصر العرب في صراعهم مع الكيان الصهيوني...
ولا انكر ابداً، انني شعرت بخطر شديد سيتهدد هذا الرجل من الدوائر الصهيونية اذا علمت بتحركاته، خصوصاً انها لا تتساهل مع كل من يتجاوز الخطوط الحمر التي رسمتها لنفسها ودورها ونفوذها، وابرز هذه الخطوط ان لا يقتحم عربي، مهما كان معتدلاً، معاقل السياسة الامريكية، وقد بلغت الرئيس الحريري، بحضور الدكتور صدقي، مخاوفي تلك.
هنا اذكر ان ابا عمار، رحمه الله، قال لي وهو في قلب الحصار في طرابلس عام 1983: اتعلم ان احد اهم اسباب الغزو الصهيوني للبنان عام 1982، هو ان بيروت قد باتت مركزاً لاتصالات متواصلة بين وفود امريكية وبين قيادة منظمة التحرير، وانه كان لا بد لتل ابيب ان تقضي على منظمة التحرير لوقف هذه الاتصالات.
اما القصة الثالثة فتتصل بالعراق، فعشية كل زيارة كنت اقوم بها الى بغداد في اطار وفود التضامن مع العراق ابان الحصار، وعشية العدوان، وبعد العودة، كنت اتصل بالرئيس لحود والرئيس الحريري سائلاً اذا كان هناك من رسالة او رأي او فكرة...
مع الرئيس لحود كان الامر عادة يتم على الهاتف، اما مع الرئيس الحريري فقد كانت تجري جلسات، قبل سفري وبعده، يحضرها كلها الوزير مرهج ويحضرها احيانا الرئيس السنيورة الذي كان وزيراً.
طبعاً كان البحث يتناول اموراً كثيرة، لكن ابو بهاء كان دائماً يقول: نبّه الاخوان في بغداد... انهم في واشنطن يعدون العدة لحرب كبيرة ضدهم... وكان هذا التنبيه يتصاعد مع الوقت...
لكن القصة ليست هنا... القصة في بغداد، وكانت مع الصديق الاستاذ محمد سعيد الصحاف الذي كان وزيراً للخارجية، قبل ان يصبح وزيراً للاعلام.
وحين نقلت للصحاف وللمرة الاولى مخاوف الرئيس الحريري على العراق، كما نقلتها الى كبار المسؤولين العراقيين الآخرين، قال لي الصحاف: سأروي لك قصة مع رفيق الحريري لا يعرفها الا الرئيس صدام .
جهزت نفسي، سمعاً وبصراً، لاتلقف هذا السر الخطير، ولاستمع الى الصحاف متابعاً حديثه: كنا في نيويورك، الرئيس الحريري وانا، نحضر اجتماعات الهيئة العامة للامم المتحدة في خريف عام 1998، وكنا نستقل معاً احد المصاعد في مبنى الامم المتحدة، فهمس الحريري في اذني وقال: لنلتقي سراً في المرآب... والعهدة على الراوي.
وعلى طريقة المناضلين في زمن العمل السري، ابلغني الحريري عدة كلمات ومضى: "انتبهوا... انهم يعدون ضربة للعراق خلال اسابيع"... وقد جاء كلام الحريري هذا بالفعل قبل اسابيع من عملية "درع الصحراء" عام 1998، وقبل انسحاب مفتشي الامم المتحدة الذي استخدم كذريعة للعدوان، التي استمرت اربعة ايام من القصف الجوي والبحري والبري والتي طالت كل بغداد وكل جهات العراق...
هذه قصص ثلاث، وهناك قصة رابعة ساتركها لوقت مناسب، تكشف ان الرئيس الشهيد الحريري كان موزعاً بين مشاعر وطنية وعربية طبيعية كأي عربي وكأي لبناني، وبين ظروف وعلاقات ومصالح اقليمية ودولية ضاغطة باتجاه معاكس..
ولانني كنت ادرك هذا الامر، فلم اكن مع اخواني اماشي بعض خصوم الحريري في القسوة المبالغة عليه، تماما كما لم نستطع ان نجاري بعض "الأصدقاء" الجدد وهم يقودون، باسم دمائه الزكية، محاولة الانقلاب الشامل على مشاعر الرجل ومواقفه وقد اعلنها قبل دقائق من جريمة اغتياله مع رفاقه، بما يشبه " الوصية " في مقهى مواجه لمبنى مجلس النواب.
لهذا، حين اتصل بي الرئيس الشهيد في ليل 12 نيسان 2003، بعد ايام على احتلال بغداد، ليطمئن الى حالتي النفسية بعد الزلزال العراقي، ضحكت على الهاتف وقلت: لقد صدقت توقعاتك باحتلال العراق، ولكن توقعاتنا بالمقاومة ستصدق ايضاً.
ثم ختمت حديثي معه جاداً: زلزال العراق سيترك حتماً تداعياته الصعبة على لبنان، فليكن الله بعونك... ولانك كرئيس حكومة لبنان ستكون مضطرا لمراعاة الظروف والاعتبارات والمتغيرات الجديدة في المنطقة وفي العالم، ولاننا ابناء حركة شعبية قومية لا نستطيع الا ان نكون في صلب اية مقاومة لمحتل، فمواقفنا قد تحرجك في الظروف الجديدة...
ضحك الرئيس الحريري _ رحمه الله - وقال: انت عنيد لا تتغير...
وضحكت بالمقابل: لو كنا من النوع الذي يتغير بتغير الاحوال لما وقفنا الى جانبك بعد استقالتك من الحكومة عام 1998، ولدى تعرضك مع اخوانك لاقسى انواع التجني والاتهامات الظالمة... وهو موقف تحملنا ايضاً بسببه الكثير في ذلك الزمن الغابر.
بعد الزلزال العراقي، قررنا ان لا نحرج الرئيس الحريري وابتعدنا بهدوء، رغم محبتنا له...

فشكراً "للواء" التي أتاحت لي أن أقدم هذه الشهادة التي لن ترضي بعض الخصوم المقيمين على خصومتهم للرئيس الشهيد، ولا بعض راكبي موجة استغلال دمائه... ولكنها شهادة ترضي الضمير... وترضي الله عز وجل وهذا هو الاهم في كل ذلك..

Developed By Hassan Dbouk