الإفتتاحية
تصريحات ومقابلات
ثقافة وفنون
مجتمع

الأربعاء، 17 يناير 2018

مثل صبر أيوب



مثل صبر أيوب
سمير دياب
أول مرة، يتم إقرار قانون إنتخابي في لبنان قبل الربع الساعة الأخيرة.
أول مرة، تجري الإنتخابات النيابية على أساس خلطة النسبية الطائفية بالدوائر الوسطى والصوت التفضيلي.
أول مرة، يمارس اللبنانيون حق الاقتراع في بلاد الإغتراب.
أول مرة، تقر العطلة الاسبوعية يومي السبت والأحد وثلاثة أرباع يوم الجمعة.
أول مرة،عاصفة البيومترية تجتاح البلد، والميغاسنترحديث الساعة.
أول مرة، جملة إبهارية تتردد كثيراً في الآونة الاخيرة على لسان المسؤولين في الحكومة، بقصد، إشهار قدرة الحكم والحكومة على مواكبة العصر، وإبراز تقدمها في اصلاح وتنظيم إدارة البلاد والعباد، وتعظيم الانجازات التي لم يسبق لها مثيلاً منذ إنتهاء الحرب الأهلية.
قد تكون هذه الخطوات إيجابية، إذا إعترف القيمون على إدارة البلاد منذ عقود، أن نسبة أهميتها تكاد لا تذكر قياسًا لنسبة تأزم القضايا الوطنية: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخدماتية والإنسانية المتراكمة والعالقة منذ إنطلاق دستور "الجمهورية الثانية" 1990.
ولضرورة لفت نظر أصحاب مقولة " أول مرة "، ومساهمة في تصحيح الرؤية وتصويب الهدف، لا بد من الاشارة، بأنه: لأول مرة، يفوق عدد المغتربين اللبنانيين ضعفي عدد المقيمين. وأول مرة يتم فيها حصحصة و( خصخصة) الدستور لمصلحة زعماء الطوائف. وأول مرة تنقطع المياه في بلد الامطار والانهار والينابيع وسياحة الثلوج. وأول مرة تنقطع الكهرباء في بلد مخترع الكهرباء الكبير حسن كامل الصباح. وأول مرة المستشفيات الحكومية شبه معدومة وإمكاناتها محدودة، ويتماثل هذا الحال مع تلفزيون وإذاعة لبنان. وأول مرة في بلد الخمسين جامعة رسمية وخاصة وانتشار عشرات مراكز الدراسات والابحاث والاستشارات لا تعرف أزمة النفايات حلاً نهائياً صحياً وبيئياً لها، ولا حل أزمة مثيلاتها من أدوية فاسدة ومبيدات زراعية مسرطنة، ولا حل أزمات التلوث والأمراض والسموم وفلتان الاسعار.. وفوق "الدكة" تجد الحكومة أن الحل سيأتي عبر تكليف شركة "ماكينزي" الاستشارية الأجنبية لوضع خطة إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني بمبالغ خيالية.
لا توجد نهاية لتعداد القضايا الوطنية المتأزمة،والمتوجب معالجتها وفق ترتيب أولويات، في مقدمتها، إعادة إحياء الإنسان أولاً، وإصلاح وتحديث البلاد، وفق مشروع وطني ديمقراطي شامل. وما خطوات السلطة سوى مساحيق لتجميل وجه أزمتها الوطنية.
فما المنفعة العامة، من قانون إنتخابي مركب ومعقد، وبحاجة إلى محللين نفسيين لشرح تفصيلاته، من بداية عملية الاقتراع لغاية إحتساب الاصوات بالنسبية الطائفية والصوت التفضيلي بالقضاء، سوى، أنه يخدم مصالح الطبقة المسيطرة ذاتها.
وما المنفعة العامة، من إعتماد الوثائق البيومترية، في ظل إدارة مترهلة ومهترئة وفاسدة، سوى تمرير الصفقات والسمسرات المربحة، وتحميل المواطن أعباءَ مالية إضافية.. في وقت لا تشكل كل هذه الوثائق البيومترية – المعلوماتية بديلاً عن وثيقة إخراج القيد الطائفي، وصعوبة تجديد بطاقة الهوية لدى الدوائرالرسمية بأقل من ثلاثة أشهر. .
وحتى لا نتهم بالسوداوية والسلبية في وجه ورشة التحديث القائمة، يهمنا أن نفيد أصحاب السلطة أن العدد الآكبر من المغتربين لا يستطيعون الاهتمام بأهلهم المقيمين في الوطن، ولا يستطيعون المشاركة في مراسم دفنهم، بسبب الفقر الإغترابي. فنعمة الوتس آب والسكايب هي وسيلة المحبة والدموع والرؤية والمشاهدة فقط.. اما هجرة العائلات والشباب فأسبابها معروفة ولم توضع قيد البحث لأول مرة بعد: من الأمان والعمل والحياة الكريمة الغائبة في الوطن الأم، إلى تغييب حقوق المواطنة والعدالة الاجتماعية والمساواة والديمقراطية، بسبب التنازع السياسي- الطائفي على كل شاردة وواردة وصولاً إلى لقمة الخبز.
اما المقيمون (الشعب) يأ اصحاب سلطة التمارين غير المفيدة ، فإنهم يتمتعون بمواصفات" صبر أيوب" من كثرة فقرهم ووجعهم وتهميش حقوقهم في العمل والتوظيف والأجور والضمانات الاجتماعية والصحية والسكنية والتعليمية.. ومن قلة الاهتمام بحقوق النساء والشباب والأطفال.. والتغاضي عن ازدياد مظاهر العنف وزواج القاصرات وإرتفاع معدلات الطلاق وإنخفاض معدلات الزواج، والاستمرار في بناء الحواجز الطائفية في الزواج والطلاق وكافة الموانع في الإرث والحضانة والوصاية.. وفي تعزيز اشكال التمييز ضد المرأة وتجاهل حقوقها في اعطاء الجنسية لاولادها، والكوتا السياسية، والقانون المدني الموحد للأحوال الشخصية.. وفي ترداد ذات الوعود لخفض سن الاقتراع وحل قضية مكتومي القيد وعمالة الأطفال...
لقد فشلت السلطة السياسية منذ "الجمهورية الثانية" بطواقمها السياسية وادارتها وخلافاتها الطائفية ومحاصصاتها واتفاقاتها الثنائية أو الثلاثية أو الرباعية من تجاوز الأزمة الوطنية، بل عمقتها وجذرتها أكثر، ونشرتها، بحيث لا يمكن تجاوزها ببعض القوانين والقرارات التجميلية من هنا أو هناك. فإعادة الإعمار تتطلب تلازم بناء البشر قبل الحجر، وما تم على عقود زمنية هو إعادة ترميم الحجر وإهمال البشر، بحيث بات الهدف هو جلب الشركات وتوظيف الاستثمارات وتشجيع السياحة، وتطويع كل القوانين والضرائب لإنعاش البلد إقتصادياً. لكن الشعارات وحدها لا تبني أوطاناَ، ولا التمنيات تحيي إنساناً. فالخطة والعمل والوحدة والتعاون والمشاركة والإدارة والرقابة والمحاسبة والتحديث استبدلت كلها بالتوافقات والمحاصصات الطبقية والطائفية والمحسوبيات والديون والضرائب.. وتعطيل المؤسسات، والتنازع على الصلاحيات، وتسعير الصراعات الطائفية والمذهبية... وانتشار الفساد
*****

الشعب الصامد المقاوم الصابر مثل " أيوب" بحاجة ماسة إلى سند اليسار وقوى التغيير الديمقراطي وحضورهم وفعاليتهم في الميادين، والنضال سوياً، للتحرر من خنادق طبقة الطائف ومتاريس الطائفيين، وللإصلاح السياسي والإداري والقضاء على الفاسدين..وبناء الإنسان في دولة وطنية ديمقراطية مقاومة، لأول مرة في تاريخ لبنان.

Developed By Hassan Dbouk