الإفتتاحية
تصريحات ومقابلات
ثقافة وفنون
مجتمع

الأحد، 10 سبتمبر 2017

لبنان ودّع الشهداء والأهالي ينتظرون الحقيقة



لبنان ودّع الشهداء والأهالي ينتظرون الحقيقة

في أجواء من الحزن الممزوج بالفرح والفخر والاعتزاز، ودّع لبنان الشهداء العسكريين العشرة الذين قتلوا غيلة وغدراً في جرود عرسال صيف العام 2014، في احتفال رسمي حاشد في وزارة الدفاع حضره الرؤساء الثلاثة ووزير الدفاع وقائد الجيش والأهالي وحشد كبير من الشخصيات السياسية والعسكرية والأمنية والدينية وسط حداد عام على أرواحهم، وشقت مواكب الشهداء طريقها من اليرزة إلى بلداتهم التي اتشحت بالسواد واستقبلت أبناءها العائدين إلى تراب الوطن بإطلاق الرصاص وذرف الدموع ونثر الورود والأرز. ومن الشمال إلى البقاع إلى الجبل تنقلت جثامين الشهداء بعد أن عرجت على خيمة العسكريين في ساحة رياض الصلح التي انتظرتهم طويلاً وعادوا اليها شهداء في نعوش، وقد اختصرت المشهد، صورة مؤثرة لنجل العسكري الشهيد علي المصري وهو على نعش والده المحمول على الأكفّ رافضاً التخلي أو النزول عنه.
لكن أعراس الشهادة تحوّلت مأساة في بعض المناطق الشمالية، بعد أن أصيب ثمانية أشخاص متراوحة إصاباتهم بين المتوسطة والحرجة والخطيرة نتيجة الرصاص الطائش خلال التشييع، بينما كان لافتاً مشهد المسلحين الذين كشفوا عن وجوهم وهم يطلقون النار بكثافة في الهواء في بلدة فنيدق على مرأى ومسمع عناصر الجيش اللبناني.
وفي حين رقد الشهداء بسلام، لم تبرد دماء ذويهم الذين ينتظرون من الدولة جلاء الحقيقة بعد أن انتظروا عودة أبنائهم أحياءً ثلاث سنوات، لكن وعد رئيس الجمهورية لهم بكشف الحقيقة والوصول في التحقيقات حتى النهاية، أثلج قلوبهم، مع أنّ القلق والحذر لم يفارق وجوههم من تسييس قضيتهم ونجاة المتورّطين، رغم إيلائهم الثقة التامة بالعمادَيْن ميشال وجوزيف عون.
فهل تتوحّد الدولة بجميع أركانها خلف قيادة الجيش والقضاء العسكري للإسراع في التحقيقات وكشف خبايا وخفايا القضية وتوقيف المتواطئين والمتآمرين على الجيش والوطن مهما علا شأنهم، قبل أن تفلت الأمور من عقالها ويُقدم الأهالي على أخذ حقهم بأيديهم كما سبق وفعل والد الشهيد محمد حمية؟ أم أن النظام الطائفي البغيض والحسابات السياسية الضيقة و«تسويات الضرورة» ستحُول دون جلاء الحقيقة وتوقيف الرؤوس الكبيرة؟
وفي وقتٍ جدّد أهالي العسكريين ثقتهم بالدولة لكشف الحقيقة، هدّد بعضهم بالثأر إن لم تتمكّن الدولة من إعدام قاتلي أبنائهم، وتوجّه والد الشهيد علي الحاج حسن إلى نجله بالقول: «إذا لم يأخذوا حقك سأبكيهم وأعاهدك والله على ذلك، وإذا لم أبكِهم فأرفض أن أعيش».
أوساط أهالي العسكريين قالت لـ «البناء» إن «خيمة رياض الصلح ستبقى في الساحة ولن تُزال قبل جلاء الحقيقة الكاملة في الملف وكشف المقصّرين والمتواطئين في خطف الشهداء وقتلهم، كما سينظم الأهالي اعتصامات وتظاهرات كل أسبوعين لتذكير الدولة بقضيتهم»، وأشارت الأوساط إلى أن «ثقة الأهالي كاملة في الدولة لا سيما برئيس الجمهورية وقائد الجيش، لكنهم حذرون لجهة أن تدخل السياسة إلى قضيتنا لا سيما أنّ المتورّطين هم من الرؤوس الكبيرة في الدولة ويمكن أن ينجوا من التحقيق والمحاسبة، لذلك لن نترك الساحة».
ونقل الأهالي عن رئيس الجمهورية وقائد الجيش عزمهما وإصرارهما على «الذهاب بالتحقيق حتى النهاية، مهما كلّف الأمر، لا سيما القرار السياسي والعسكري في العام 2014 الذي خذل الجيش وتركه وحيداً في أرض المعركة من دون سلاح وقتال ثم الوقوع في قبضة الإرهابيين الذين سهّل لهم القرار السياسي آنذاك نقلهم إلى الجرود وقتلهم في ما بعد».
غير أنّ المصادر استشعرت أملاً بكلمة الرئيس عون في حفل تأبين الشهداء أمس، في وزارة الدفاع بوضع اليد على جرح التآمر المتمثل بالسلطة السياسية، كما أشارت أوساط الأهالي إلى أنّ «تحرّك الجيش باتجاه عرسال لإلقاء القبض على الإرهابي مصطفى الحجيري أبو طاقية ورئيس بلدية عرسال السابق علي الحجيري أبو عجينة بداية مشجّعة لبدء التحقيقات، لكنها رفضت أن يقتصر الأمر على هؤلاء الأشخاص بل يجب أن يطال التحقيق الرؤوس الأكبر».
في وزارة الدفاع
وفي ساحة العلم في وزارة الدفاع، أقامت قيادة الجيش مراسم تكريم للشهداء الأبطال، بحضور رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، وزير الدفاع الوطني يعقوب الصراف، قائد الجيش العماد جوزف عون وقادة الأجهزة الأمنية ووزراء ونواب ممثلين عن رؤساء الطوائف والبعثات الدبلوماسية وأهالي الشهداء وعدد من الشخصيات. وبعد أن تمّ تقليد الشهداء الأوسمة الثلاثة وسام الحرب، وسام الجرحى ووسام الاستحقاق العسكري عاهد الرئيس عون في كلمته ذويهم «بأنّ دماء ابنائكم امانة لدينا حتى تحقيق الاهداف التي استُشهد أبناؤكم من اجلها وجلاء كل الحقائق»، وأكد أن الشهداء العسكريين الذين خطفوا وقتلوا على يد التنظيمات الإرهابية في جرود السلسلة الشرقية، وقفوا في العام 2014، على خطوط الدفاع عن لبنان، غير آبهين بما ظلل تلك المرحلة من غموض في مواقف المسؤولين، سبّبت جراحاً في جسم الوطن.
وأكد قائد الجيش أنه «ورغم الانتصار الذي حققناه، لا تزال أمامنا تضحيات كبرى لا تقل أهمية عن دحرنا للإرهاب العالمي، فالجيش سينتشر من الآن وصاعداً على امتداد الحدود الشرقية للدفاع عنها»، مشدداً على «التزامنا التام القرار 1701 ومندرجاته كافة والتعاون الأقصى مع القوات الدولية للحفاظ على استقرار الحدود الجنوبية»، ومعلناً «أنّ ردّ الجيش مستقبلاًً سيكون هو نفسه على كلّ مَن يحاول العبث بالأمن والتطاول على السيادة الوطنية او التعرّض للسلم الأهلي وإرادة العيش المشترك. والجيش سيكون على مسافة واحدة من مختلف الأطياف والفرقاء وفي جميع الاستحقاقات الدستورية، وسيكون في أعلى الجهوزية للدفاع عن وطننا الغالي».
واُقيمت مراسم مغادرة جثامين الشهداء ساحة العلم، وتوجّه بعدها الموكب إلى ساحة رياض الصلح التي احتضنت خيمة الأهالي، فاستقبلها المواطنون بنثر الأرز والزهور وإطلاق الزغاريد، ومن رياض الصلح توجّهت مواكب الجثامين إلى القرى والبلدات.
اجتماع مجلس الدفاع الأعلى
وعلى وقع مراسم تشييع الشهداء والدعوات لكشف الحقيقة، التأم المجلس الأعلى للدفاع في قصر بعبدا برئاسة الرئيس عون، الذي تداول في ضرورة جلاء ما حصل في عرسال عام 2014. وفي السياق، أكد الرئيس عون أن «التحقيق في حوادث عرسال سيحدّد المسؤوليات ويريح أهالي الشهداء الذين من حقهم أن يعرفوا كيف استُشهد أبناؤهم»، مشدداً على ان «التحقيق سيأخذ مجراه كي لا يُدان بريء ويُبرَّأ متهم»، لافتاً إلى أن التحقيق الذي طلبه في أحداث عرسال وجرودها في 2 آب 2014 وما تلاها هدفه وضع حدّ لما يصدر من مواقف واجتهادات وتحليلات».
وأشار الرئيس الحريري إلى أن «التحقيق لا خلفيات انتقامية أو كيدية له بل يهدف إلى معرفة حقيقة ما حصل في تلك الفترة، قائلاً «من غير الجائز استباق نتائجه وتوجيه اتهامات من هنا وهناك، واستغلاله في السياسة ووسائل إلاعلام». وأعلن «أننا انتصرنا لكن للأسف، لا نعرف الاتفاق على هذا الانتصار، وكأن البعض كان يريدنا أن نخسر».
وأوضح وزير العدل سليم جريصاتي «أنّ التحقيق في حوادث عرسال سيتناول العناصر الجرمية لتفادي أيّ اتهام سياسي». وأكد المجلس في بيان بعد الاجتماع، أنّه «تمّ عرض الأوضاع الأمنية وكان اتفاق على ضرورة التصدّي لكلّ الأعمال الجرمية والإرهابية. وتمّ التركيز على احترام الكفاءة عند التلاميذ الضباط والحديث عن الخرق الإسرائيلي غير المسبوق. وأبقى المجلس على مقرراته سرية».
قاووق: تحرير الجرود لا يعني نهاية المعركة
وأكد عضو المجلس المركزي في حزب الله الشيخ نبيل قاووق أنّ «تحرير الجرود والحدود الشرقية للبنان، لا يعني انتهاء المعركة مع داعش والنصرة، كما أنّ حزب الله سيُكمل المعركة في دير الزور والبادية وإدلب، التي يوجد فيها أكبر تجمّع تكفيري للقاعدة في العالم، وهي قريبة من لبنان»، سائلاً: «هل يكون لبنان بمأمن إذا بقيت إدلب تحت سيطرة القاعدة والنصرة؟ وهل يكون لبنان بمأمن وهناك مقار للنصرة وداعش داخل سورية؟ لذلك فإنّ حزب الله سيُكمل المعركة في سورية حماية للبنانيين كلهم وللوطن كله».

وشدّد قاووق على أنّ «لبنان لن يُستدرج إلى الفتنة الداخلية، التي تراهن عليها السعودية، بدفعها اللبنانيين إلى انقسام داخلي جديد»، مشيراً إلى أنّ «مواقف جميع المسؤولين اللبنانيين كانت رافضة للانصياع لدعوات الفتنة السعودية، وهذا ما جعل السعودية تنهزم وتفشل مجدّداً».

Developed By Hassan Dbouk