الإفتتاحية
تصريحات ومقابلات
ثقافة وفنون
مجتمع

الأحد، 3 سبتمبر 2017

الرهان على الدور الأميركي وسياسة الإنفصال عن الواقع



الرهان على الدور الأميركي وسياسة الإنفصال عن الواقع
 معتصم حمادة
■ الحيرة التي تستبد بالدوائر المختصة في السلطة الفلسطينية بشأن حقائق السياسة الأميركية من ملف الصراع الفلسطيني ـــــ الإسرائيلي، تبدو غير مفهومة، وغير مبررة، تنتظر وتحمل في طياتها وظيفة تحاول من خلالها أن تبرر مسايرة الجانب الفلسطيني للسياسة الأميركية الجديدة.
والقول على لسان الرئيس عباس إن السلطة ما زالت تنتظر وضوح الرؤية الأميركية للدخول في مفاوضات جادة، في طياته تهرب من نقد الغموض الذي يلف هذه السياسة والذي شكل بدوره غطاء جديداً لسلطات الإحتلال، لتوسع الإستطيان في القدس وأنحاء الضفة الفلسطينية، وبناءً مستوطنات جديدة، وتوسيع دائرة صلاحيات الإدارة المدنية للإحتلال وتعزيزها، بما يعمق الإجراءات الإحتلالية ويرسخ أدوات الوجود الإستيطاني في الضفة والقدس أكثر فأكثر.
ويبدو أن الجانب الفلسطيني، يتمهل في الإعتراف بواقع الحال، حتى يتهرب من مواجهة هذا الواقع، والتصدي لتداعياته ومفاعيله، بكل ما يعني ذلك من إعادة صياغة للمعادلات السياسية مع الإحتلال، ومع الجانب الأميركي.
في الإجتماعات المغلقة، يعترف مستشارو الرئيس عباس أن القضية الفلسطينية ليست موضوعة على جدول أولويات البيت الأبيض، بل يعترفون أنها تندرج في أسفل لائحة الإهتمامات الدولية للبيت الأبيض ودوائره المساعدة كالخارجية أو مجلس الأمن القومي، أو غيرها. وأن جلّ ما يهم الولايات المتحدة هو أن يسير التعاون الأمني الفلسطيني مع سلطات الإحتلال سيراً حسناً، في إطار إلتزام القيادة الرسمية الفلسطينية «محاربة الإرهاب»، والوعد الذي قدمه الرئيس عباس لترامب في زيارته للبيت الأبيض.
وفي اللقاءات المغلقة، يتذمر مستشارو الرئيس عباس، والعاملون في دائرة المفاوضات، أن 20 جولة من المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة لم تصل إلى النتائج الملموسة، بما في ذلك الإتفاق على مسألة الإستيطان، وطبيعة الحل المفترض الوصول إليه في مفاوضات الحل الدائم، والأساس المعتمد في رسم حدود الدولتين. وتنتهي اللقاءات المغلقة بإعلان اليأس من إمكانية الوصول إلى إتفاق مع  وفد يتشكل من صهر ترامب، جاريد كوشنر، والمبعوث الخاص جيسون غرينبلات، وسفير الولايات المتحدة في إسرائيل توماس فريدمان، ومساعدة مستشار الأمن القومي الأميركي دينا باول، وهم كلهم مشهورون بميولهم اليمينية، وإنحيازهم لإسرائيل، وتبنيهم لمواقفها، وشروطها، ومطالبها، وتصورها للحل الدائم.

*   *   *

مع الإدارات الأميركية السابقة (بوش الأبن وأوباما، وقبلهما كلينتون)، كانت نقطة البداية في إستئناف العملية التفاوضية، هي الإتفاق على النقطة التي توصلت إليها في الجولات السابقة، والإنطلاق منها نحو خطوات جديدة.
هذا لا يعني أن الإدارات السابقة لم تكن تحابي المصالح الإسرائيلية، وتنحاز لمواقف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة. لكن هذه الإدارات كانت تلتقي، ولو من حيث المبدأ، مع ضرورة وقف الإستيطان، وإن كانت في الوقت نفسه لا تضغط بالقوة الكافية على إسرائيل لوقفه. لكن علينا ألا ننس أن إدارة أوباما، سمحت، في أسابيعها الأخيرة في البيت الأبيض، بتمرير القرار 2334، في مجلس الأمن، يدين الإستيطان، في القدس وفي الضفة ويدعو لوقفه تماماً. كما كانت هذه الإدارات تعترف بخطوط 4 حزيران (يونيو) 67 أساساً لرسم الحدود، وأن كانت تدعو في الوقت نفسه، لمبدأ تبادل أراضٍ على جانبي الحدود متفق عليه، لأسباب تتعلق، كما تدعي، بالمصالح الأمنية الإسرائيلية. كما كانت تعتمد «حل الدولتين» أساساً للحل، وإن كنا لا نؤيده، بإعتباره حلاً هابطاً، لا يلبي الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني في إسترداد أرضه الفلسطينية المحتلة عام 67 كاملة، لتقوم عليها دولة مستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية وضمان حق العودة للاجئين.
هذه كلها أسس إعتمدتها الإدارات الأميركية السابقة وتوارثتها لتبني عليها متابعتها لإستئناف العملية التفاوضية. كانت المشكلة تكمن في محاولة الجانب الإسرائيلي في العودة بالمفاوضات إلى نقطة الصفر. وللأسف، كثيراً، ما كان ينجح في جر المفاوض الفلسطيني إلى هذه النقطة، وتحويل العملية التفاوضية إلى غرفة إرتباط، لبحث القضايا الجزئية، التي يمكن بحثها على مستوى موظفين، بمرتبة أدنى، على حساب الإنشغال بقضايا الحل الدائم، أي الإستيطان، ورحيل الإحتلال، وقيام الدولة الفلسطينية ورسم حدودها وعير ذلك من القضايا الإستراتيجية. ولعل هذا سبب من الأسباب العديدة التي قادت إلى جرجرة العملية التفاوضية لمدة ربع قرن، دون أن تصل إلى نهايتها المطلوبة، بل وصلت، كما يتبدى واضحاً، إلى الطريق المسدود.
*   *   *
السلطة الفلسطينية تعاند الحقيقة الساطعة، وترفض الإعتراف بوصول المفاوضات إلى الطريق المسدود. لأنها ترفض الإعتراف بفشل مشروعها السياسي. لذلك تصر على رهن القضية الفلسطينية أسيرة لسياستها الفاشلة، لسنوات إضافية، كي تبرر بقاءها على رأس السلطة بموجب مشروع أوسلو.
في هذا السياق، تجدد الرهان على السياسة الأميركية وتمني النفس بأن تكون إقتراحات الوفد الأميركي هذه المرة تحمل ما يمكنها من حفظ ماء وجهها والعودة إلى مفاوضات جديدة، ولو كانت ستنتهي، ككل مرة إلى الفشل.
ولذلك تتحدث عن وقف الإستيطان، وكأنه مسألة قد تمً حسمها، وتتحدث عن حل الدولتين، وكأن الإدارة الأميركية قد إستعادته أساساً للحل.
وفي هذا السياق أيضاً جاءت دعوتها الفاشلة لعقد مجلس وطني فلسطيني، بقوامه القديم، ودون مراجعة سياسية شاملة، ودون تحضير وطني شامل يقوم على التشاور مع الجميع، ومع الكل الفلسطيني، للوصول إلى توافقات سياسية، ودون العودة إلى الشارع الفلسطيني لإجراء إنتخابات تعيد بناء المجلس الوطني، بشفافية وحرية وفق نظام التمثيل النسبي الكامل، ودون إعتماد مكان للإجتماع يمكن الكل من الحضور إليه.
تصريحات ترامب ومواقفه بشأن الشرق الأوسط وقضاياه، وإشتراطات غرينبلات التسعة المقدمة إلى الرئيس عباس، لإستئناف المفاوضات، وتصريحات كوشنر ومواقفه من القضية الفلسطينية، وإعلانه الدائم إنحيازه للجانب الإسرائيلي، أضف إلى ذلك مواقف نتنياهو، وتصريحاته بشأن الإستيطان، وبشأن القدس، وبشأن ما يدعيه من حدود آمنة تستوجب ضم الغور الفلسطيني، وبقاء الإحتلال في أنحاء الضفة وحتى نهر الأردن، وسلسلة السيناريوهات والمشاريع البديلة التي تتناسل بلا توقف من مراكز البحث والتخطيط في وزارتي الخارجية والدفاع في إسرائيل وفي معاهدها السياسية ومراكزها البحثية.. كلها باتت إشارات ودلائل أكثر من كافية على فشل مسيرة أوسلو، وفشل العملية التفاوضية بالشروط الأميركية، وفشل «خيار المفاوضات خياراً وحيداً»، الأمر الذي يستوجب إجراء المراجعة السياسية الجريئة، لصالح البرنامج الوطني الفلسطيني، برنامج الإنتفاضة والمقاومة في الميدان، وبرنامج المقاومة في المحافل الدبلوماسية، برنامج وحدة الشعب، ووحدة حقوقه، ووحدة قواه السياسية.
وسوى ذلك فإنها محاولة للتعتيم على الواقع.

إنها حالة إنفصال عن الواقع.■

Developed By Hassan Dbouk