الإفتتاحية
تصريحات ومقابلات
ثقافة وفنون
مجتمع

الأحد، 3 سبتمبر 2017

قبضة المتّهمين باختطاف «الصدر» لا تزال حاكمة



قبضة المتّهمين باختطاف «الصدر» لا تزال حاكمة
روزانا رمّال
لا يقتنع كثيرون بمجريات الأحداث وسياقها بعد اختطاف السيد موسى الصدر في عام 1978، فأغلب المهتّمين بالقضية يعرفون أن هناك عقدة مفقودة تحمل الكثير من الخفايا تماماً، كما أريد للإمام الصدر الغياب من دون دلائل أو إشارات .

تجزم السيدة رباب الصدر شقيقة الإمام المغيب ان النظام الليبي ليس مسؤولاً وحده عن عملية الاختطاف. وهذا التأكيد الصادر عن العائلة ليس إلا وليد متابعة عمرها سنوات من التحقيقات المباشرة وغير المباشرة، تكبر غرابة الملف يوماً بعد يوم، لكن في الوقت نفسه تتكشف طريقة التنفيذ والتغطية والتعامل العربي والدولي بطريقة يمكن أن تستخدم كدليل على ذهنية الجهة التي خطفت الإمام ورفيقيه.
بعد مرور الأزمات المتتالية على المنطقة واغتيالات متعدّدة تتسم بالغرابة توقيتاً وأسلوباً والتي لم تكن شائعة في ذلك الوقت، حيث كان الخطف هو طريقة أفعل في التصفيات السياسية يمكن النظر إلى قضية الإمام الصدر بمنطق آخر وربط الأمور بما يفترض ان يكون سلسلة متصلة تتعلق بالتكوين والمنهج الذي ينتمي اليه الإمام. فمن خطفه اراد بطريقة او بأخرى اغتيال مشروع. وبالتالي فإن مشروع الامام الصدر الذي لا زال مستهدفاً حتى اليوم يرجح دائماً عند كل اعتداء فرضية الاستهداف الأميركي الإسرائيلي لغايات سياسية وأمنية معروفة.
كان ينظر في ذلك الوقت الى السيد الصدر كمشروع تتصاعد معه اللغة الإيجابية وترحيب الناس لما يطرح وتبعية اللبنانيين إليه. وهو بنهاية الأمر يعبر بالنسبة لخصومه عن مشروع يترجم نهضة الطائفة الشيعية في لبنان بعد أن كانت قد بدأتها في إيران ابان الثورة الإيرانية التي كانت قد بدأت قبل أشهر من اختطاف الإمام. فبالتالي أول ما يتبادر الى الاذهان هو ان يكون مطلوباً نسف كل ما يرتبط بإيران او الإيرانيين القادمين من رحم الثورة الداعية لإزالة إسرائيل من الوجود، وما يعادله من هواجس ان يمتد فكر الثورة الى لبنان اي الى الجوار الإسرائيلي . وهو ما يضع هذا الخيار بموازاة ما حل بحلفاء إيران في سورية اليوم وقبلها بحزب الله حرب تموز 2006 . وهو ما يعني ان المشروع هو نفسه لا يزال قائماً منذ ذلك اليوم اذا تم التسليم جدلاً أن تغييب الإمام هو مرتبط بهذه الغاية وهي المرجّحة سياسياً، فأحداً غير الولايات المتحدة الأميركية و إسرائيل لا يعيش هاجساً من صعود قوى مماثلة للسيد الصدر أو أي حركة من حركات المقاومة بالمستوى الذي تعيشه تل أبيب منذ ولادة الكيان بجوار المجتمع العربي الذي سيظل يعتبرها دخيلة على نسيجه. وهو ما يعني أن إسرائيل التي تشرع غالباً في تنفيذ مشروعها تلو الآخر منذ قيامها ماضية في ذلك حتماً إلى لحظة إعلان زوالها، اي ان فرضية ان تكون إسرائيل هي الخاطف الأول والأبرز هي الفرضية الأكثر منطقاً.
السؤال اليوم عن ليبيا، وعن التغير الحاصل فيها اليوم يجر اللبنانيين مباشرة إلى السؤال عن مصير الإمام موسى الصدر، وإذ بالموقف الذي أخذ القضية نحو الغموض لا يزال هو نفسه المحيط بالملف. بالتالي يصبح السؤال المطروح مشروعاً عن جدية التغيير الحاصل في الالتزام الليبي، وعما اذا كان هذا الانقلاب قد حصل فعلاً في ما يخص المؤسسات الأمنية الليبية والأجهزة الاستخبارية المرتبطة بقوى كبرى. فماذا يعني أن يسقط نظام القذافي وتبقى المعلومات مكتومة وماذا يعني أن يفشل كل الذين سارعوا للتحقيق مع بقايا النظام بالحصول على معلومة مفيدة أكان مفادها الاختطاف أو الوفاة أو الأسر أو ما شابه؟
ماذا يعني أن يسقط نظام متهم بالتخطيط للاختطاف من دون أن تصبح فرصة سقوطه محطة أساسية في البدء بكشف ذيول تلك القضية الغريبة؟ وماذا يعني ألا تبادر الأجهزة الأمنية الليبية الحالية التي يفترض أنها ترفض بالكامل التغطية على جرائم النظام السابق بمساعدة لبنان بالملف المسؤول عن توتير العلاقات الدبلوماسية بين البلدين لعقود؟ الاستنتاج يأخذ نحو التوقف عند نقطة تحصر الأجهزة الأمنية الليبية ضمن الدائرة نفسها قبل الانقلاب وبعده ليصبح المسؤول عن الخفايا وعن الحقبة الماضية لا يزال هو نفسه الذي يحكم ليبيا، واذا كان القذافي قد انتهى سياسياً وجسدياً، فإن الاستخبارات التي تحكم ليبيا لا زالت هي نفسها.
يؤكد ملف الإمام الصدر أن أياً من التغيير لم يطرأ على بنية النظام الليبي وأن كل الذي جرى في ما زعم من ثورات الربيع العربي هو مجرّد شكليات طالت الشعوب بظاهرها من دون أن تنجح بالتخلص من تبعية المؤسسات الأمنية والأجهزة الاستخبارية إلى قبضة يد القوى الكبرى وبالملف الليبي، فإن مسألة اختطاف الإمام الصدر وبقائها بعد الانقلاب بالشكل المريب الذي هي عليه، فإن الحديث عن الأجهزة الاستخبارية الأميركية و الإسرائيلية يصبح الأنشط في حالات مثل الفوضى التي عمّت البلاد تحسباً لأن لا تنشط الخلايا الإرهابية وتنتقل الى أوروبا. وهذا بالاضافة الى الأجهزة الاستخبارية الأوروبية.
الأكيد أن الحاكم هو نفسه، والخاطف هو نفسه بتغير أشكال الحكم وظروفه. ما يعني أن المنفذين التابعين لهذه الأجهزة هم على درجة احتراف عالية لا تخضع للظروف السياسية التي تحيط ليبيا، أكان بحياة القذافي أو بمماته، والأمر هو اكبر من نظام أو شخصية حاكم مجنون.


Developed By Hassan Dbouk