الإفتتاحية
تصريحات ومقابلات
ثقافة وفنون
مجتمع

الجمعة، 23 يونيو 2017

رقص الألوان على نبض الحياة في رسومها



رقص الألوان على نبض الحياة في رسومها
الفنانة التشكيلية فاطمة اسماعيل: الأكريليك والزيتيّة يعانقان ريشتي بحبّ
رنا صادق

تتبعثر الكلمات عند المضيّ في وصفها بحزمة قليلة من الكلمات. فهي فنانة، رسّامة وكاتبة، تتناثر كحلم الغافل بالجنّة في التشكيل الفنّي والروح الإبداعية. تطبع من الذكريات آلاف الأحاسيس، تكسب المكان واللقاء الأوّلين معنى إضافياً مترجماً، بحثٍّ رقيقٍ صادق يجتاز حدود البوح والعلنية.
في ظلّ الأشجار تفيأت وعلى ألوان الياسمين أزهرت وبرعمت، يروقها عزف الألوان ويطربها لحن اللوحات. الفنانة التشكيلية فاطمة اسماعيل تتمسّك بجذور الحبّ والطفولة وبراعم سحمر قريتها عند المغيب والشروق. تتّحد مع أنغام الفنّ لتشكّل لوحةً مفصّلة عبارة عن حياتها بقالب مؤثر. حديثها إلى «البناء» قفز على بساط الريح فوق سحاب أعمالها، نشارككم تفاصيل اللقاء.
فاطمة اسماعيل، تحلّق حين تمسك بيدها ريشة، وغصن شجرة، ولدت في سحمر البقاع الغربي، احتضنتها الطبيعة، راقبت الغروب والشروق، تفاصيل نضوج الاخضرار والألوان من حولها. أيام الدراسة كانت تقضيها وعائلتها في بيروت، أما الإجازات الموسمية والصيفية في القرية. هذا التلاحم بين المدينة والقرية جعلها تفهم معاني الأشياء كما هي، تقلقها ضوضاء المدينة ويسحرها هدوء القرية.
توجّهت إسماعيل إلى دراسة الحقوق، لأنها كما تشير تحبّ الدفاع عن كل من ظلم أو هدر حقّه، فوجدت نفسها أمام بؤس الحياة، فتحوّلت نحو الأدب العربي، اللغة التي تعشقها، لم تكملها أيضاً بسبب السفر والزواج، وعند استقرارها حازت على شهادة في الأدب الإنكليزي.
الفنّ كان النقلة المذهلة في حياتها، فهمت يوماً أنها ولدت لحمل الريشة، وتحكي عن اللون. ترى فاطمة اسماعيل طفولتها مساحة حرّة، اخضراراً ووجوهاً، كانت تراقب وجوه المارة في بيروت المدينة، وتلتمس نبض الحياة الخضراء في سحمر القرية، هذا المزيج رسم في مخيلتها آلاف الحكايات والألوان. جلوسها أمام الغروب أغراها في رسمه، فتمنّت رسمه، ولم يخطر في بالها يوماً أنها ستكون فنانة تشكيلية، وكاتبة.
مشوارها والرسم بدأ صدفةً حين نصحها زوجها الشاعر مردوك الشامي بالبدء بالرسم بعد أن قرأ فيها موهبتها. في ذلك الوقت لم تدرك أنها ستصبح فنانةً تشكيليةً، بل ظنّت أنه مجرّد إطراء من زوجها لدعمها معنوياً بُعيد الفترة الصعبة التي عايشتها في السعودية على حدّ قولها لـ«البناء».
لكنها حين بدأت الرسم، بدأت اللوحات تملأ جدران المنزل، أدركت فاطمة اسماعيل موهبتها، كما تأكدت أن إلى جانبها شريكاً حقيقياً يكمّل ذاتها ويدعمها.
بالنسبة إلى الكتابة، خطّت فاطمة كلماتها الأولى أيام الثانوية، لم تنهيها، لأنها احتاجت إلى التعبير عن ذاتها بأسلوب مختلف. واليوم روايتها على وشك الصدور قريباً في بيروت، في حين أنها مرتبطة جداً مع لوحاتها، كأنهما معرض بحدّ ذاته.
استعانت فاطمة بكل أنواع الألوان والأدوات، ولكن لم يتلاءم نبضها سوى مع الألوان الزيتية، لكنّها اضطررت للتخلّي عنها بعدما زخرت رحمها بالطفل الأول، حرصاً على عدم استنشاق الجنين رائحة الألوان، وحتى الآن لم تستطع العودة إليها، لكنها متأكدة من العودة إلى هذه الألوان لأنها الوحيدة التي تفهم ما في داخلها من غضب وحزن، فرح وأمل وترسم معها كل الأغاني التي تعزفها.
الأكريليك صديقها العزيز، خافت ألا يفهمها كما يفعل الزيتي، لكنّه بات صديقها العزيز حتى الآن. وهبها الأكريليك الحرية مختلفة، كثافة في اللون وحرّية في الحركة، ولكل منهما خاصيته لديها، فهو والألوان الزيتية يعانقان ريشتها بحبّ. لا تتجّه نحو لون محدّد، فاللون يخرج مختلفاً في كل مرّة ترسم فيها، بحسب تغيّر مزاجها وتبدّله، حتى وإن استخدمت الألوان ذاتها في كلّ مرّة، فالدمج وقت الرسم يُحدث فرقاً شاسعاً.
أما عن سؤالها إلى أيّ مدرسة فنّية تتجه أعمالها، فأجابت: لا أحبّ التصنيفات، كلّما سألني أحدهم أحاول أن أبحث عن توصيف يرضيني، ولكن لم يحدث هذا! لديّ التعبيري، والتجريدي والواقعي، والسريالي أيضاً، أرسم المزيج أرسم كلّ هذا معاً، كما أشعر بالتحديد. وأترك تحديد التصنيف الأكاديمي للنقّاد.
لوحاتها هي نبضها، صعب وصفها، الكلام فيها ظلم كما تؤكّد فاطمة اسماعيل، فهي تصف المعاناة بلوحة، تحكي ذاتها من خلال اللوحة. اللوحة مرآتها. تتلعثم حينما يسألها أحدهم عن معنى لوحة من لوحاتها، لأنها جزء عميق يصعب اختزاله وشرحه. فاللوحة هي مذكراتها الخاصة جداً، ولأن الفن عظيم بمعانيه، تخرج اللوحة لتحكي عن كل ما في هذا المجتمع، وتحكي عن كل زائر للمعارض. ترسم الفنانة تداعياتها الشخصية، ترسم قصص كلّ من حولها، لهذا تركّز على المجتمع، المرأة، والفكر. أما الخامة التي ستسخدمها، فتحدّدها الفكرة.
من خلال معارضها الفنية، تطرح فاطمة اسماعيل مظهر المرأة الحقيقي وتُقدّمه للجمهور، وتحكي عن الأشياء التي يخفيها المجتمع في هذا الخصوص ويحاول تلطفيها بالغصب والقوة لاعتباره مجتمعاً مثالياً فالعائلة والزوج الأبناء مصادر تكمّل المرأة، كما تطرح المسؤوليات التي تتحملّها والتي عليها أن تكون جزءاً متواصلاً مع الرجل.
يخضع التقييم الفني للوحة إلى مستوى تحقيق التكامل الحيثي لها موضوع، شكل، مادة، تقنية. فقدرة الفنان على المشاركة في رفع مستوى القيمة الفنية للوحة في حالة التلقائية أو الدراسة عند الرسم تتفاوت بين فنان وآخر, بالنسبة إلى فاطمة اسماعيل، هي ترى اللوحة على هيئة مشاعر لا يمكن هندستها وقولبتها. الفنان هو الذي يحكم هذا الأمر، كلّما استطاع الارتقاء بقيمة اللوحة الفنية، يكون قادراً على البوح أكثر، كلّما كان حرّاً في تعبيره بعيداً عن القوالب، كلّما كانت لوحته أكثر قيمة. والدراسة ضرورية، إنّما الدراسة المبالغ فيها تلغي المعنى الحقيقي للوحة، وولادة اللوحة لا تكون إلا مرّة واحدة، إن كانت كدراسة أو لوحة مكتملة.

أما بالنسبة إلى قدرة اللوحة الفنية على إعطاء الصبغة المحلية لهوية الفنان من جهة والصبغة الإنسانية من جهة أخرى، فتقول فاطمة اسماعيل: الفنان كائن موجود في هذا المجتمع، يعيش حياته اليومية بشكل طبيعي يعطي رأيه ويتشبث به، يلغي رأياً ويعيّن رأياً آخر، لكنّه يختلف بطريقة تعبيره تكون اللوحة هي البوح والصرخة لديه. لهذا، أنا أحمل ريشتي لأقول أنا هنا وما أفكر به.
بالتطرّق إلى وضع الفنّ حالياً، أرى أن الفن التشكيلي على أحسن حال، لكن العالم العربي يعاني العزلة مع ذاته، لديه انفصام بالاكتمال، مع القمع تصبح الصرخات مكبوتة، لهذا تمزّق اللوحات. ومع الجوع تصبح اللوحة بلا قيمة مقابل رغيف خبز. ومع المعاناة تصبح اللوحة غاضبة ومتألمة تحكي الحقيقية ولا تناسب القصور، فلا أحد يشتريها بثمنها الحقيقي.

وفي النهاية، تعتبر الرسّامة أنّ الفن التشكيلي العربي موجود في محيط يبكي على أطلاله، وحده من يخطو خطوة مختلفة ويبتعد عن الجماعات يستطيع أن يبرز، إذ لا فنّان ليس مهماً، فكل من يرسم لوحة يستطيع أن يوزّع لوحاته على أصدقائه ومحيطه وينشر الثقافة الفنية، هكذا تبرز أهميته كفنان ومصدر ثقافي، ويصبح الفنّ التشكيليّ في العالم العربي قيّماً.

Developed By Hassan Dbouk