الإفتتاحية
تصريحات ومقابلات
ثقافة وفنون
مجتمع

الأحد، 13 نوفمبر 2016

أربعون عاماً

أربعون عاماً
معن بشور
في مثل هذه الأيام قبل أربعين عاماً خرجت من رحم الحركة الشعبية اللبنانية تجربة ناضل أفرادها على أكثر من جبهة، وفي أكثر من مجال، وعلى غير مستوى، بينهم شهداء ارتقوا في مقاومة المحتل ومشاريعه وأدواته، وبينهم مفقودون وأسرى لدى المحتل، وبينهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا...
في هذه التجربة كان هناك تمييز بين ما هو وطني وقومي ورسالي، يسعى إلى جمع الصفوف ولمّ الشمل والتمسك بالمبادئ، وبين ما هو ذاتي وفئوي ومصلحي، فكانت التجربة حاملة لراية الوحدة بوجه الانقسام، ومتمسكة بقيم التضامن الوطني والقومي والإنساني بوجه التفتيت والتفرد والتخلي عن الثوابت... فاحتضنها شرفاء الوطن والأمّة، وحاصرها كل من يسعى إلى ضرب هوية الأمّة ووحدتها واقتلاعها من جذورها...
في هذه التجربة كان هناك عمل سياسي بأفق أخلاقي ومبدئي، سمح لرموزها وقادتها وأعضائها أن يحتفظوا بنقائهم وصفائهم والتزامهم، وكان فيها عمل تطوعي اجتماعي صحي إنساني، لمست آثاره الآف البيوت وعشرات الأحياء في العاصمة والمناطق...
في هذه التجربة كان هناك امتداد عابر للمناطق والطوائف والمذاهب، فترسخت في المدن -  الثغور، ووصلت إلى الجبال والسهول، ولم تستطع كل العواصف والأعاصير والزلازل أن تخرجها عن وحدويتها الجامعة، وعن وطنيتها وعروبتها...
في هذه التجربة كان هناك عمق ثقافي عبّر عن نفسه في ندوات ومنتديات ولقاءات انطلاقاً من إدراكها أن الثقافة تحصن العمل، وأن العمل يغني الثقافة...
في هذه التجربة كان هناك مبادرات شبابية، لبنانية وعربية، تنطلق من أهمية أن يتعارف شباب لبنان الواحد على بعضهم البعض بعد سنوات من الحروب، ويتعارف الشباب القومي العربي على بعضهم البعض بعد عقود من التجزئة... فأمتلأ لبنان والأمّة بشباب تلاقوا في هذه المبادرات ونشأت بينهم أوثق الصلات...
في هذه التجربة التي رفعت منذ تأسيسها شعار "استقلاليتنا تساوي وجودنا" كان هناك نهج استقلالي عن الواقع الرسمي العربي، كما عن الاستقطاب الطائفي والمذهبي، وعلى قاعدة بسيطة "لا تبعية ولا عداء"، تؤيد العمل الصح، وتنتقد العمل الخطأ، ما كلفها الكثير من سوء الفهم والاتهامات المتناقضة، بل الكثير من الحصار المادي، والسياسي والإعلامي، والكثير من الضغوط والمضايقات التي ما زالت مستمرة...
تجربة أدركت منذ انطلاقتها تكامل العروبة والإسلام في وطن كبير يقطنه المسلم وغير المسلم، العربي وغير العربي، بل أدركت أن حضارة الأمّة هي من صنع مكوناتها المتنوعة في الدين والعرق والجنس واللون، وأدركت أن الأمّة تشهد منذ قرون حرباً على العروبة والإسلام، وأقسى تلك الحروب هي وضع العروبة في وجه الإسلام، والإسلام في وجه العروبة، وكلاهما في وجه المسيحيين العرب عماد نهضة الأمّة وعنوان انفتاح الإسلام على أصحاب الرسالات...
تجربة أدركت منذ انطلاقتها أن المقاومة هي طريق الأمّة لتحرير أرضها وإنسانها، بل تجربة نبتت منذ انطلاقتها في أجواء مقاومة الاحتلال، وتوفير مقاومات الصمود بوجه مخططاته، فكانت مؤتمرات ولجان ومستوصفات لتوفير هذا الصمود في المناطق الحدودية، كما كان هناك دفاع عن المقاومة الفلسطينية والعراقية، والتزام بالمقاومة اللبنانية بكل راياتها، وبالدفاع عن الأقطار العربية المستهدفة في مجتمعاتها ودولها وجيوشها وحضارتها وتراثها، وطبعاً في إنسانها على يد قوى الغلو والتطرف والتوحش...
تجربة أدركت أن قضية فلسطين هي قضية الأمّة كلها، بل الإنسانية جمعاء، كما أنها قضية داخلية في كل قطر عربي، فدافع أعضاؤها عن فلسطين ومخيماتها، وأطلقوا المبادرات العربية والدولية حول عناوينها وانتفاضاتها وثورتها المعاصرة، كما أدركت هذه التجربة أن المؤامرة على الأمّة في أوائل هذا القرن بدأت بالاحتلال الأمريكي وأدواته ودساتيره في العراق، وأن النهاية تكون في قيام العراق العربي الموحد في هويته، المتعدد في نظامه، المستقل السيد...
تجربة أدركت أهمية مصر وثقلها في حياة الأمّة ومستقبلها، فلم تساير الراغبين في عزل مصر، ولم تمتنع عن إقامة أفضل العلاقات مع أحرار مصر، تماماً كما أدركت أهمية التواصل مع أبناء المغرب الكبير لأنها تدرك أن جوهر المخططات الاستعمارية والصهيونية تقوم على فصل مغرب الأمّة عن مشرقها....
تجربة أدركت أهمية السودان كجسر للعبور إلى إفريقيا، وأهمية اليمن كامتداد عريق لتراث الأمّة واتصال عميق بمستقبلها، وكذلك أهمية بلدان الجزيرة العربية والخليج بإمكاناتها البشرية الكامنة والتي لو أتيح لها التعبير عن نفسها لحققت المعجزات...
تجربة أدركت أن مستقبل الأمّة يتقرر في بلاد الشام، في سوريا والأردن ولبنان، بالإضافة طبعاً إلى فلسطين، وأن المدافعين الحقيقيين عن هوية الأمّة ومصيرها مدعوون للدفاع عن وحدة هذه الأقطار ومجتمعاتها...
تجربة انطلقت من التعامل مع إيجابيات الآخرين، وعدم الغرق في النظرة السلبية إلى الشركاء في الوطن والأمّة، فأغضبت أصحاب الرؤوس الحامية في هذه الجهة أو تلك، ولكنها أرضت ضميرها وشعبها وأمّتها الغاضبة أصلاً على خطاب الانقسام والتشرذم وممارسات الفتنة والتفتيت...
تجربة أدركت أنها ليست بديلة عن الأحزاب ومؤسساتها بل مكملة لها، ومتفاعلة معها، كما سعت عبر آليات متنوعة أن تشرك قطاعات واسعة في المجتمع في العمل الوطني والقومي، كما في العمل النقابي والمطلبي، فالأساس في هذه التجربة، كان ولا يزال، هو المبادرة إلى عمل ما، وإلى صيغ توفر أوسع التفاف حول هذا العمل...

طبعا، في الذكرى الأربعين لانطلاقة تجربة اللجان والروابط الشعبية التي تعتز بتواضعها وبعدها عن الاستعراض والفوقية والشكليات في النضال، لا بد من الاقرار أن أخطاء عديدة وقعت على غير مستوى، وفي أكثر من مجال، لكن الأساس فيها هو أنها حافظت على نقائها وصفائها والتزامها وبشكل خاص على الوفاء لقضايا الأمّة ورموزها مهما كان ثمن الوفاء غالياً.

Developed By Hassan Dbouk