الإفتتاحية
تصريحات ومقابلات
ثقافة وفنون
مجتمع

الأحد، 6 نوفمبر 2016

.. وحين أقرّ بموت «حل الدولتين»



.. وحين أقرّ بموت «حل الدولتين»
 معتصم حمادة
■ .. وأخيراً أقرّ الرئيس محمود عباس، وهو يتحدث إلى المجلس الثوري لحركة فتح، بأن «حل الدولتين» قد مات وأصبح جثة هامدة.
«حل الدولتين» هو الحل الأميركي الذي إقترحه الرئيس الأميركي السابق بوش الإبن، ينص على إسقاط حق العودة، والفصل بين الفلسطينيين في مناطق الـ 48 وبين إخوانهم خارجها، وإقامة كيان في المناطق المحتلة عام 67، يضمن بقاء إسرائيل اليهودية ويغلق الطريق أمام دولة واحدة ثنائية القومية، الأمر الذي يتطلب في السياق تبادل الأراضي والسكان، وبما يضمن «إعادة» حوالي نصف مليون فلسطيني من مناطق الـ 48 إلى تخوم الكيان الفلسطيني.
إعتراف عباس بموت «حل الدولتين»، والذي إنشغلنا به رسمياً منذ العام 2001، يملي بالضرورة إغلاق ملف المبادرة الفرنسية القائمة على «حل الدولتين» هي الأخرى، والعودة مجدداً إلى البرنامج الوطني الفلسطيني، برنامج العودة وتقرير المصير والدولة المستقلة، والذي يعيد توحيد الشعب الفلسطيني في مناطق تواجده كافة، داخل إسرائيل، وفي مناطق الـ 67 وفي الشتات، ويوحد حقوقه الوطنية والقومية، ويعيد رسم الصراع على حقيقته، ويفتح الأفق لحل وطني، مرحلي، يشكل فاتحة للحل الوطني الناجز للقضية الوطنية الفلسطينية.
مثل هذه العودة، تعني فيما تعنيه العودة للإلتزام  بوثيقة مؤتمر القاهرة (أذار/مارس/2005)، ووثيقة الوفاق الوطني (26/6/2006) وقرارات المجلس المركزي (5/3/2015) وقرارات القاهرة (شباط/فبراير/2013) وعمان (أيار/مايو/2013). وهذا يعني:
• وقف التنسيق الأمني مع الإحتلال وإعتماد عقيدة أمنية بديلة للأجهزة الفلسطينية للدفاع عن الشعب والوطن.
• مقاطعة الإقتصاد الإسرائيلي والتوجه لبناء الإقتصاد الوطني الفلسطيني.
• وقف الرهان على المفاوضات الثنائية تحت الرعاية الأميركية والذهاب نحو مؤتمر دولي لحل القضية تحت إشراف الأمم المتحدة ومجلس أمنها وقراراتها ذات الصلة التي تكفل الحقوق الوطنية المشروعة لشعب فلسطين غير القابلة للتصرف.
• فك الحصار عن الإنتفاضة الشبابية وتحويلها إلى إنتفاضة شعبية شاملة على طريق العصيان الوطني.
• تدويل القضية بالذهاب إلى المحافل الدولية بما في ذلك محكمة الجنايات الدولية، وطلب الحماية الدولية للأرض والشعب ضد الإحتلال والإستيطان. والمطالبة بالعضوية العاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة.
• إنهاء حالة الإنقسام وإستعادة الوحدة الداخلية على أسس ديمقراطية عبر إعادة بناء الهيئات والمؤسسات في السلطة وم.ت.ف، بالإنتخابات الشاملة الديمقراطية والنزيهة والشفافة بموجب نظام التمثيل النسبي الكامل. وكل ما يفترضه هذا، من إعادة هيكلة للسلطة الفلسطينية،  لتستجيب مؤسساتها الخدمية والإدارية والأمنية والسياسية لإستحقاقات المرحلة الكفاحية القادمة، في مواجهة الإحتلال والإستيطان بكل السبل والوسائل الكفاحية.
*     *     *
بدلاً من هذه الإنعطافة الوطنية، رداً على موت «حل الدولتين»، وما تتطلبه من إجراءات لمواجهة إستحقاقاتها، ذهب الرئيس عباس إلى القول إن الخطر الآن يتهدد الشرعية الفلسطينية (وليس الحقوق الوطنية المشروعة) وإن المعركة باتت الآن هي معركة الدفاع عن الشرعية الفلسطينية (وليس عن الحقوق الوطنية الفلسطينية)، وإن خوض هذه المعركة (معركة الدفاع عن الشرعية) هو في إنعقاد مؤتمر فتح السابع (في موعد مقترح هو 29/11/2016) وفي عقد دورة جديدة للمجلس الوطني الفلسطيني قبل نهاية العام الحالي. وفي الحالتين، فإن الرئيس عباس يشير ضمناً إلى شرعيته هو، كرئيس لحركة فتح، وكرئيس للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، متجاوزاً موقعه كرئيس للسلطة الفلسطينية، والذي يتطلب لتجديد شرعيته خطوات معقدة سببها عدم «التفاهم» مع حركة حماس.
• مؤتمر فتح الداخلي، مسألة فتحاوية داخلية، معنية بالبت بها اللجنة المركزية للحركة، رغم إدراك الجميع أن نتائج المؤتمر، سلباً أم إيجابياً، ستنعكس على أوضاع الحالة الفلسطينية، كون الحركة هي التي تمسك بالمناصب الكبرى في المؤسسة الفلسطينية، وبالقسم الأكبر من الأجهزة والمؤسسات. علماً أن التحضير للمؤتمر يتم في أجواء عاصفة، على صعيد فتح الداخلي، وعلى الصعيد الوطني الفلسطيني، وكذلك على الصعيد الإقليمي والعربي. وبالتالي هو مؤتمر يقف أمام سلسلة من الإستحقاقات الداخلية والوطنية، التنظيمية، والسياسية والقومية، بدءاً من معالجة مسألة دحلان وإخوانه، مروراً بحل مسألة «اليوم التالي لما بعد عباس»، وصولاً إلى تجديد دماء اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وإجراء مراجعة سياسية شاملة على ضوء الإقرار بفشل مسيرة أوسلو، وفشل «حل الدولتين»، وتجربة الإنتفاضة الشبابية، وظاهرة النهوض الفلسطيني داخل الكيان الإسرائيلي، وعلامات الصمود المتزايد في صفوف اللأجئين دفاعاً عن حق العودة ورفض الحلول والسيناريوهات البديلة.
• أما دعوة المجلس الوطني الفلسطيني فقضية وطنية من الطراز الأول لا يحق لفتح أو لغيرها التفرد في البت بها. والقول بإنعقاده نهاية العام أمر مثير للغرابة، إذ لا يلاحظ، في السياق، أية مشاورات وطنية بشأنه، وأية إجراءات تحضرية سياسية وغيرها. فلا اللجنة التنفيذية تجتمع للبت بالأمر، رغم تكرار الحديث على لسان الرئيس عباس وصف من أعضاء «مركزية» فتح عن أن الموعد لإنعقاد المجلس هو نهاية العام. ولا الإطار القيادي المؤقت المعني بتطوير وتفعيل مؤسسات م.ت.ف دعي للإجتماع للبت بذلك. وليست هناك إجابات على العديد من التساؤلات: هل هو مجلس منتخب؟ هل هو معين؟ أين سيعقد؟ ماهي مشاريعه السياسية؟ ما هي تطويراته لآليات العمل الكفاحية والإدارية؟ ونعتقد أن إختصار وظيفته بإعادة إنتخاب لجنة تنفيذية جديدة  تجدد إنتخابها للرئيس عباس رئيساً لها، إنما هو إفراغ لدورة المجلس من وظيفتها، وتحايل على هذه الوظيفة وتهرب من الإستحقاقات السياسية القادمة على الحالة الفلسطينية.
لذلك لا يستقيم الحديث عن دورة جديدة للمجلس الوطني (هي الأولى منذ العام 1996) إلا في إطار العمل التحضيري الوطني والمعنية به كل القوى والفصائل الفلسطينية، خاصة الممثلة في الإطار القيادي الأعلى المعني بتطوير وتفعيل مؤسسات م.ت.ف.
*     *    *

لتجديد الشرعية أوجه عديدة. منها ما هو إجرائي، يتمثل بالإنتخابات وفقاً للأنظمة والقوانين. ومنها ما هو سياسي يتمثل في البرنامج السياسي الذي يمنح هذه الفئة أو الجهة شرعيتها. ونعتقد أن من أهم وجوه تجديد الشرعية الفلسطينية في هذه المرحلة، في عيون أبناء الشارع وقواه السياسية، هو في العودة إلى «الشرعية السياسية» شرعية البرنامج الوطني الفلسطيني. والتراجع عن الإنقلاب السياسي الذي مثله إتفاق أوسلو، وتداعياته. والإعتراف بالخطأ التاريخي الذي كلف الشعب الفلسطيني ربع قرن من الزمن، وكماً هائلاً من التضحيات البشرية والمادية، وسيولاً من الدماء، وخسائر لا تحصى في توسيع الإستيطان، وتهويد القدس، وإستجلاب المزيد من المستوطنين، وخلق قيم ووقائع جديدة مناكفة للقيم النضالية التي أرستها حركة المقاومة والحركة الوطنية الفلسطينية. ونشر أشكال الفساد والإهتراء في الصف الوطني، وتنمية روح الإنتهازية والمحسوبية والمحاباة والنفاق. هذا كله من أثار أوسلو. وهذا كله تكنسه العودة إلى البرنامج الوطني الموحَّد والموحِّد. بكل ما تتطلبه هذه العودة من إستحقاقات وإعادة هيكلة للمؤسسات ولبعض الفصائل. ونعتقد أن على مؤتمر فتح القادم أن يبحث هذا كله.■

Developed By Hassan Dbouk