الإفتتاحية
تصريحات ومقابلات
ثقافة وفنون
مجتمع

الاثنين، 31 أكتوبر 2016

.. حين قال: «تسلمنا كل شيء مدمراً»



.. حين قال: «تسلمنا كل شيء مدمراً»
معتصم حمادة
في سابقة غير معهودة، ومنذ أكثر من ربع قرن تقريباً، إستعرت حرب المقالات والأعمدة الصحفية، بين الأهرام وغيرها من الصحف القاهرية، وبين صحيفتي «الحياة الجديدة» و «الأيام» الموالتين للرئيس عباس في  رام الله. ولا يحتاج المرء ليكون عبقرياً ليكشف أن سبب هذه الحرب، هو الدور المصري في صياغة ورقة «مبادرة الرباعية العربية» لترتيب البيت الفلسطيني، بما في ذلك أوضاع فتح الداخلية، وعودة دحلان وإخوانه إلى صفوف الحركة. زادت الأمور تعقيداً الدعوة إلى ورشة «عين السخنة» في مصر التي شهدت نقاشاً حول القضية الفلسطينية وحول أوضاع فتح، شارك فيه مدعوون من قطاع غزة، كلهم تقريباً من الصف الفتحاوي، ما أثار حفيظة فتح وإعتبرته مقدمة للمؤتمر الذي ينوي دحلان الدعوة له قريباً في العاصمة المصرية، ليبحث أوضاع الحركة وأوضاع الحالة الفلسطينية، في خطوة اعتبرت أنها تستهدف موقع الرئيس عباس، والضغط عليه للأخذ بما جاء في ورقة الرباعية العربية.
ويقرأ المراقبون جولة الرئيس عباس في تركيا، وما صاحبها من تصريحات رعناء على لسان بعض مرافقيه، وفي قطر، محاولة للزج بالقضية الوطنية الفلسطينية في لعبة المحاور العربية والإقليمية، مدفوعاً بردود الفعل على ورقة «الرباعية العربية»، وبالدعوات الموجهة إليه عربياً لإتباع خطوات، ترى الرباعية العربية إنها ضرورية لترتيب الصف الفلسطيني، في ظل تطورات عربية، تفترض ضبط الحالة الفلسطينية، خارج أي سياق لا يخدم محوراً من المحاور. ولعل رد عباس، بالذهاب إلى محور دون غيره، لن ينتج إلا مزيداً من التعقيدات، خاصة أن من شأن هذا التحرك أن يصب في تعميق الأزمة الفلسطينية، لا في البحث عن حل لها، علماً أن سياسة الكيد وردود الفعل لم تكن ولا لمرة، سياسة حكيمة تتبعها القيادات الحريصة على مصالح شعبها.
*    *     *
في موازاة هذا الوضع الخارجي، نشهد تطوراً في الأوضاع الداخلية من شأنه أن يدفع بالأمور نحو المزيد من التأزم على أكثر من مستوى.
فعلى صعيد أوضاع فتح الداخلية، تتسع دائرة القلق في صفوف الحركة عشية التحضير لإنعقاد المؤتمر السابع للحركة، وتتداعى القيادات الفتحاوية الميدانية، كما هو حال فتح في مخيم الأمعري وغيره، لتدارس أوضاع الحركة، من موقع المشاركة القاعدية في تحمل المسؤولية. سلوك رأت فيه قيادة الحركة إتجاهاً نحو «التجنح» (وهو الإسم السري لكل من يعارض قيادة فتح، ووصفه بإعتباره «دحلانياً») ما دفع الجهات المختصة إلى فصل صف من أبناء فتح من بينهم أعضاء في المجلس التشريعي الفلسطيني، ما يشير إلى أي مدى وصلت الأوضاع داخل فتح في تفتتها وتفسخها، وما ينذر في الوقت نفسه بمخاطر إنعقاد المؤتمر السابع في ظل هذا التوتر الشديد. ولعل الخطر، في هذا كله أن يبادر دحلان إلى تنفيذ تهديده بعقد مؤتمر موازٍ لمؤتمر فتح، قد يكون مكانه غزة، أو القاهرة. وفي كلا الحالتين، إن خطوة كهذه من شأنها أن تعكس نفسها سلباً، وبشكل عميق، ليس على فتح وحدها، بل على عموم الحالة الفلسطينية، بما في ذلك إمكانية عقد مجلس وطني فلسطيني، في الخارج، وتنظيم إنتخابات شاملة في الداخل والخارج لإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية.
في السياق نفسه، تتسع دائرة تدخل الأجهزة الأمنية في السلطة الفلسطينية في الشأن السياسي العام، بما في ذلك إعتقال بعض الناشطين، إن في إطار منع إستنهاض إنتفاضة الشباب، أو في إطار التحرك العام في بحث أوضاع الحالة الفلسطينية من مدخل إنهاء الإنقسام أو مدخل أوضاع فتح الداخلية. بدورها تتعرض الصحافة الفلسطينية لضغوط أمنية أدت إلى منع نشر بعض المقالات، حتى لكتاب أعمدة من المحسوبين على قيادة فتح ولهم باع طويل إن في الدفاع عن سياسة عباس، أو عن مواقفه. خطيئة هؤلاء إنهم أرادوا أن يدلوا بدلوهم في إنتقاد الحالة القائمةوأن يسهموا في تقديم إقتراحات من شأنها أن تساعد على إخراج الحالة العامة من أزمتها. وهو أمر يؤكد، فيما يؤكده، أن صدر السلطة الفلسطينية وصدر مؤسسة الرئاسة، بات أضيق من أن يتحمل أدنى الإنتقادات، علماً أن الدعوة لمؤتمر فتح، يتطلب إطلاق حرية النقاش والإنتقاد، وفتح الباب أمام تصارع الآراء وتنوعها. وصولاً إلى ما يفترض أن يراه المؤتمر، في ظل الأجواء الديمقراطية، هو السبيل السليم. مطاردة حرية الرأي، وفرض القمع على الرأي الآخر، وإغلاق باب الإجتهاد، عشية إنعقاد المؤتمر، لا يبشر بأن الأمور تسير في الإتجاه الصحيح، بل يؤشر إلى أن هناك رغبة في فرض الرأي الواحد على الجميع، وهو رأي مؤسسة الرئاسة، الذي لا يحظى لا بالإجماع داخل فتح، ولا بالإجماع الوطني.
*     *     *
بالمقابل، نلاحظ على الصعيد الوطني أن الأمور لا تسير كما يجب. فاللجنة التنفيذية في م.ت.ف. هي الغائب الأكبر، رغم حدة التطورات الفلسطينية والعربية العاصفة، بما في ذلك تكرار الحديث عن ضغوط تتعرض لها المؤسسة الفلسطينية لعدم التوجه نحو مجلس الأمن لبحث الإستيطان، وبما في ذلك أيضاً الحديث (من جهة واحدة) عن دعوة المجلس الوطني الفلسطيني إلى دورة جديدة، دون أن نشهد حتى الآن ما يشير إلى التحضير الجيد لهذا المجلس والإتفاق على مكان إنعقاده وطبيعة ما سوف يصدر عنه من قرارات وخطط.
في الوقت نفسه، مازال المجلس المركزي لمنظمة التحرير معطلاً منذ أن عقد آخر إجتماع الإجتماع له في 5/3/2015، علماً أن القرار هو بإنعقاد دوري مرة كل شهرين لبحث الأوضاع العامة، الهدف من التعطيل هو الإمعان في تعطيل قراراته ومنها وقف التنسيق الأمني مع سلطات الإحتلال، ومقاطعة الإقتصاد الإسرائيلي، وإستنهاض الإنتفاضة الشعبية، وتدويل الحقوق والقضية الوطنية في المحافل المختصة. لا تقف القضية عند حدود تعطيل القرارات بل تتعداها نحو إتخاذ قرارات ورسم سياسات تتعارض مع قرارات المجلس المركزي وتوجهاته، ما يعزز سياسة الفرد، والإستفراد بالقرار ويعزز سياسة الإنقلاب على البرنامج الوطني، ويضعف الأسس التي قامت عليها م.ت.ف. بإعتبارها الجبهة الوطنية المتحدة للشعب الفلسطيني، ويعمق حالة القلق في الصف الوطني من خطورة هذه السياسة، كما يعمق حالة اللايقين في صفوف الحالة الشعبية من إمكانية إخراج الوضع الفلسطيني من أزمته وإصلاح ما يمكن إصلاحه، والفتح على مستقبل جديد للقضية الوطنية.
حين تولى محمود عباس مسؤولياته خلفاً للراحل ياسر عرفات صرح قائلاً: «لقد تسلمنا كل شيء مدمراً». في نقد حاد للمرحلة السابقة.

الخوف، كل الخوف، أن يتسلم، من هو بعد عباس كل شيء مدمراً، ... مرة أخرى

Developed By Hassan Dbouk