الإفتتاحية
تصريحات ومقابلات
ثقافة وفنون
مجتمع

الاثنين، 31 أكتوبر 2016

تركيا.. أسطول الحرية مجدداً

تركيا.. أسطول الحرية مجدداً
هاني سليمان / (السفير)
أمام قصر العدل في اسطنبول، وهو أكبر قصور العدل في أوروبا حجماً وفخامة، تجمّع أهالي شهداء «أسطول الحرية» وسفينة «مافي مرمره»، وممثلون للمجتمع المدني، خاصة «المنظمة الإنسانية التركية» IHH، التي أشرفت على إطلاق رحلة كسر الحصار عن غزة، وراحوا يهتفون
«شهداء أسطول الحرية شرف للإنسانية».
المناسبة هي انعقاد أول جلسة محاكمة لقادة العدوان الإسرائيلي على «أسطول الحرية»، بعد الاتفاقية التركية - الإسرائيلية المتعلقة بهذه القضية.
كان الطقس ماطراً بارداً، وكانت الهتافات ضد الدولة العبرية حارة ولاذعة.
لقد تعهّدت «المنظمة الإنسانية التركية» تأمين نقل الحشود لعوائل الشهداء والناشطين إلى ساحة المحكمة في «أسطول الحرية»، وقد تجاوز عددهم المئات، إضافة إلى المشاركين في الأسطول، وقد جاؤوا من القارات كلها تقريباً، كبادرة اعتراض على «اتفاقية الإذعان» على حدّ تعبير رئيس المنظمة بولند يلديريم في المؤتمر الصحافي الذي عقده أمام قصر العدل.
وفي هذا المؤتمر رفع السيد يلديريم قبضة أحد مشايخ الأردن، المشارك في رحلة كسر الحصار والبالغ من العمر 87 عاماً، وقال بلهجة مؤثّرة «إننا لا نريد مالاً من إسرائيل، فشهداؤنا أغلى من كل مال، فهذا الشيخ وما يمثل هو رأسمالنا».
مصدر الغضب هذا مردّه لاعتبارات عدة، أولها شعور أتراكٍ كثرٍ بالصدمة من مضمون الاتفاقية، خاصة لجهة البند الذي ينصّ على أن تدفع إسرائيل تبرعاً (وليس تعويضاً) لوزارة العدل التركية، قدره عشرون مليون دولار، بحيث تقوم هذه الأخيرة بدفعها للعوائل المتضرّرة. نلاحظ هنا أن الاتفاقية تجنّبت الإشارة إلى وجود شهداء أو قتلى أو جرحى. ثاني هذه الاعتبارات هو الشعور بالإساءة المعنوية البالغة نتيجة تجاهل السلطات التركية موقف عوائل الشهداء، فهي لم تقف عند رأيهم قبل التوقيع عليها، كما أنها لم تتصل بهم بعد التوقيع. أما ثالث الاعتبارات فيتّصل بشعور عوائل الشهداء بوطأة السياسة على القضاء، ما حدا بالمحامين إلى طلب تنحية القاضي الذي أجّل جلسات المحاكمة غير مرة «بتعليمات عليا» انتظاراً لتوقيع الاتفاقية التي ستحمل صفة المعاهدة، خاصة أن المعاهدات في العرف والقانون الدولي، تتقدم في التطبيق على التشريعات المحلية فتبطلها، ما يجعل المتابعة في المحاكمة من دون جدوى.
ليس هنا المجال للبحث في الأسباب السياسية لتوقيع الاتفاقية، بعد أن تقدّم 17 مشاركاً يحملون الجنسية الإنكليزية بدعوى أمام المحاكم البريطانية وخسروا هذه الدعوى، وبعدما قضت محكمة أميركية بردّ الدعوى من عائلة شهيد تركي يحمل الجنسية الأميركية، وبعد خسارة دعوى مماثلة في جنوب أفريقيا بضغط من اللوبي اليهودي هناك، وبعد الرفض الأميركي لعرض التقرير المتعلق بحادث الاعتداء على «مافي مرمره» أمام مجلس الأمن.
أمام هذا الواقع، اقترحنا أن تحصل محاكمات شعبية تخلد الشهداء وتدين العدو الإسرائيلي في المحافظات التي ينتمي إليها شهداء وجرحى «ماڤي مرمرة»، فقوبل هذا الاقتراح بالاستحسان والاستعداد للتنفيذ.
لقد اختلطت دماء الأتراك والفلسطينيين واللبنانيين والإندونيسيين والإسبان والجزائريين وأحرار العالم في بحر غزة، في محاولة لكسر الحصار المفروض عليها، لكن الحصار لم ينكسر، وما رأيناه في اسطنبول يؤكد أن الإرادة لم تنكسر.


Developed By Hassan Dbouk